يستقبل أطفال فلسطين يومهم السنوي، الذي يصادف الخامس من أبريل، في ظل ظروف هي الأقسى تاريخياً، حيث تحولت أحلامهم في قطاع غزة من مقاعد الدراسة إلى رحلات بحث مضنية عن شربة ماء أو لقمة عيش وسط الركام. ولم تعد صباحات الصغار تبدأ بتجهيز الحقائب المدرسية، بل بالاستيقاظ على دوي الانفجارات التي لم تهدأ، في واقع يفرض عليهم مسؤوليات جسيمة تفوق أعمارهم الغضة.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الأطفال والنساء يمثلون الضحايا الأبرز لحرب الإبادة المستمرة، إذ يشكلون أكثر من 60% من إجمالي الشهداء والجرحى. هذا الاستهداف الممنهج لم يقتصر على الأجساد فقط، بل امتد ليطال المنظومة الحياتية والنفسية لجيل كامل، مما جعل المنظمات الدولية تصف قطاع غزة بأنه أصبح 'مقبرة للأطفال' في العصر الحديث.
الطفلة تالا مسعود، ذات العشر سنوات، تختزل مأساة جيلها وهي تغسل ملابس أسرتها يدوياً أمام خيمة نزوح في دير البلح، مؤكدة أن حياتها السابقة تلاشت تماماً. تالا التي كانت تحلم بأن تصبح طبيبة، تجد نفسها اليوم وحيدة بعد فقدان صديقاتها، وتعتمد في بقائها على ما تجود به التكايا الخيرية من وجبات شحيحة لا تسمن ولا تغني من جوع.
وفي مشهد آخر من الصمود القسري، يبرز الطفل مالك أبو نصر الذي صنع عربة يدوية ليجلب الماء لأسرته النازحة ويعيلهم في ظل غياب والده الشهيد. مالك، الذي لم يتجاوز العاشرة، بات المعيل الرئيسي لعائلته المكونة من خمسة أفراد، حيث يقضي يومه في أعمال شاقة لا تتناسب مع بنيته الضعيفة لتوفير الحد الأدنى من متطلبات البقاء.
أما الطفل محمود الشيخ، فيعبر بوعي يفوق سنواته الأربع عشرة عن يأس جيله، معتبراً أن الموت قد يكون أرحم من حياة الخيام التي تغرق بمياه الأمطار والنفايات. محمود الذي كان يحلم باحتراف كرة القدم، يرى حلمه يتبخر مع تدمير الاحتلال للملاعب والمنشآت الرياضية، ليصبح حلمه الأقصى الآن هو العيش داخل غرفة من أربعة جدران توفر له الأمان.
وتؤكد الإحصائيات الرسمية حجم الكارثة، حيث استشهد أكثر من 21 ألف طفل خلال عامين من الحرب، بينهم مئات الرضع الذين لم يتموا عامهم الأول. هذه الأرقام المفزعة تعكس سياسة القتل المباشر التي ينتهجها الاحتلال، والتي أدت أيضاً إلى إصابة نحو 44 ألف طفل بجروح متفاوتة، يعاني آلاف منهم من إعاقات دائمة وبتر في الأطراف.
وإلى جانب القتل المباشر، يبرز سلاح التجويع كأداة فتك بالأطفال، حيث سجلت المصادر الطبية وفاة 157 طفلاً بسبب سوء التغذية والجفاف، بالإضافة إلى ضحايا البرد في خيام النازحين. هذا الواقع المرير يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 التي استباحها الاحتلال بشكل كامل.
وتشير تقارير حقوقية إلى قفزة هائلة في أعداد الأيتام، حيث فقد نحو 85 ألف طفل في غزة أحد والديهم أو كليهما منذ بدء العدوان. هؤلاء الأطفال وجدوا أنفسهم بلا سند في بيئة تفتقر لأدنى مقومات الحياة، مما دفع المئات منهم للانخراط المبكر في سوق العمل الشاق لتأمين لقمة العيش لعائلاتهم المكلومة.
قطاع التعليم لم يسلم هو الآخر من التدمير، إذ تسبب الاحتلال في خروج 90% من المنشآت التعليمية عن الخدمة، ما بين تدمير كلي أو تحويلها لمراكز نزوح مكتظة. هذا التدمير الممنهج حرم أكثر من 700 ألف طالب من حقهم في التعليم للعام الدراسي الحالي، مما يهدد بمحو مستقبل تعليمي لجيل كامل من الفلسطينيين.
وعلى الصعيد النفسي، تؤكد مصادر طبية أن نحو مليون طفل في غزة يحتاجون إلى تدخلات نفسية واجتماعية عاجلة نتيجة الصدمات المتكررة وحالات الفزع والقلق. وتظهر على الأطفال أعراض سلوكية خطيرة تشمل الانعزال والكآبة واضطرابات النوم، وهي آثار قد تلازمهم لسنوات طويلة إذا لم يتم تداركها ببرامج دعم متخصصة.
وفي الضفة الغربية، لا يبدو المشهد أقل قتامة، حيث استشهد 237 طفلاً برصاص الاحتلال خلال العامين الماضيين، فيما تعرض 1655 آخرون للاعتقال والتنكيل في السجون. هذه الممارسات تؤكد أن استهداف الطفولة الفلسطينية هو سياسة عامة تشمل كافة الأراضي المحتلة، وتهدف إلى كسر إرادة الجيل الناشئ وتدمير طموحاته.
ويوضح خبراء نفسيون أن فقدان الوالدين يمثل أشد تداعيات الحرب تأثيراً، حيث يفتقد الطفل المنظومة التربوية والسلوكية التي تشكل هويته. ومع غياب المدارس والمنازل الآمنة، يصبح الطفل عرضة للضياع النفسي والشرود الذهني، مما يتطلب جهوداً دولية جبارة لإعادة بناء ما دمرته آلة الحرب في نفوس هؤلاء الصغار.
إن يوم الطفل الفلسطيني يأتي هذا العام ليذكر العالم بأن 43% من المجتمع الفلسطيني هم من الأطفال الذين يواجهون خطر الإبادة والتهجير. ورغم كل هذا الدمار، لا يزال أطفال غزة يتمسكون ببقايا أحلامهم فوق الركام، في رسالة صمود تتحدى آلة القتل وتؤكد حقهم في حياة كريمة كبقية أطفال العالم.
ختاماً، فإن تكلفة إعادة إعمار ما دمرته الحرب في غزة، والتي تقدر بنحو 70 مليار دولار، لا تشمل ترميم الأرواح المحطمة والطفولة المسلوبة. ويبقى المطلب الأساسي لأطفال فلسطين في يومهم العالمي هو وقف العدوان وتوفير الحماية الدولية، لضمان ألا تظل 'مقبرة الأطفال' هي الوصف الملازم لمدينتهم المحاصرة.
المصدر:
القدس