تواجه الأحياء الفلسطينية في القدس الشرقية المحتلة تهديداً وجودياً متصاعداً بفعل ترسانة من القوانين والوثائق القديمة التي توظفها المجموعات الاستيطانية لانتزاع العقارات. ويبرز قانون الترتيبات القضائية والإدارية لعام 1970، المعروف بـ 'أملاك يهود اليمن'، كأداة رئيسية في هذه العملية الممنهجة التي تستهدف تقويض الوجود الفلسطيني في المدينة المقدسة.
تعود جذور هذه الأزمة إلى نهاية القرن التاسع عشر، حين قام متبرعون يهود بتأسيس ما يعرف بوقف 'بنفنيستي' بهدف شراء أراضٍ في منطقة سلوان لإسكان يهود قدموا من اليمن. وقد تشكلت آنذاك نواة سكنية عُرفت بـ'القرية اليمنية'، إلا أن السلطات البريطانية قامت بإجلاء سكانها عام 1938 نتيجة التوترات الأمنية، وظلت الأرض مسجلة باسم الوقف منذ ذلك الحين.
عقب احتلال شرقي القدس عام 1967، شرعت العائلات الفلسطينية في الاستقرار بأحياء مثل بطن الهوى والشيخ جراح، معتمدة على عقود ملكية رسمية وشهادات شراء من ملاك محليين أو بتصاريح من الإدارة الأردنية. ولم يكن السكان على دراية بأن هذه العقارات تقع ضمن حدود أراضٍ مسجلة تاريخياً بأسماء أوقاف يهودية، مما جعلهم عرضة لملاحقات قانونية معقدة لاحقاً.
جاء صدور قانون عام 1970 ليخلق ازدواجية معايير صارخة في المنظومة القضائية للاحتلال، حيث سمح لليهود بالمطالبة بممتلكات فقدوها قبل عام 1948 في شرقي القدس. وفي المقابل، يحرم القانون ذاته الفلسطينيين من أي حق مماثل لاستعادة ممتلكاتهم وبيوتهم التي هُجروا منها في الجزء الغربي من المدينة، مما يكرس سياسة التمييز العنصري.
تعد جمعية 'عطيرت كوهنيم' الاستيطانية المحرك الفعلي لهذه الدعاوى، خاصة بعد حصولها على حق الوصاية على وقف 'بنفنيستي' في عام 2001. ومنذ ذلك الوقت، استغلت الجمعية الوثائق التاريخية لرفع مئات قضايا الإخلاء ضد العائلات الفلسطينية، مدعية أن وجودهم غير قانوني وأن الحقوق تعود للمستوطنين.
إلى جانب المسار القضائي، تتبع الجمعيات الاستيطانية أساليب ملتوية لتعزيز سيطرتها، تشمل استخدام شركات وهمية ووسطاء لتسجيل العقارات بطرق غير مباشرة. كما تمارس هذه الجهات ضغوطاً مالية ونفسية على العائلات عبر تقديم عروض مغرية للمغادرة أو إرهاقهم بمصاريف المحاكم والرسائل القانونية المتكررة.
إن هذه الإجراءات الممنهجة حولت القانون من إطار تنظيمي إلى أداة سياسية وديموغرافية تهدف بالدرجة الأولى إلى توسيع المستوطنات في قلب الأحياء العربية. وبدلاً من توفير الحماية للسكان الذين عاشوا في منازلهم لعقود طويلة، أصبح النظام القضائي منصة لتبرير التهجير القسري وتغيير الطابع التاريخي للقدس.
في نهاية المطاف، يمثل قانون 1970 حجر الزاوية في استراتيجية تغيير الواقع الديموغرافي للقدس الشرقية عبر استغلال ملكيات الوقف القديمة. ويجري حالياً إعادة تشكيل أحياء كاملة لمصلحة المستوطنين، في تجاوز واضح لكافة المواثيق الدولية التي تمنع القوة القائمة بالاحتلال من تغيير معالم الأرض المحتلة أو تهجير سكانها.
المصدر:
القدس