أحيا المسيحيون في مختلف أنحاء العالم، يوم الأحد، مراسم عيد الفصح وأحد الشعانين وفقاً للتقويمين الغربي والشرقي، في أجواء طغت عليها المخاوف من اتساع رقعة الصراعات الإقليمية. ودعا بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر قادة المجتمع الدولي إلى ضرورة تبني خيار السلام، منتقداً حالة اللامبالاة الدولية تجاه آلاف الضحايا الذين يسقطون يومياً جراء الحروب المستعرة.
وفي ساحة القديس بطرس بالفاتيكان، ترأس البابا قداس عيد الفصح للمرة الأولى منذ اعتلائه الكرسي الرسولي في مايو من العام الماضي. وأكد في رسالته أن السلام الحقيقي لا يمكن فرضه عبر آلات الحرب أو منطق القوة، بل يتحقق فقط من خلال الحوار الصادق واللقاء الإنساني الذي يتجاوز رغبات السيطرة على الآخرين.
وحذر الحبر الأعظم من خطورة الاعتياد على مشاهد العنف والاستسلام لنتائج الكراهية التي تفرزها النزاعات المسلحة. وأشار إلى أن العالم بات يتجاهل العواقب الاقتصادية والاجتماعية الوخيمة التي تلم بالشعوب، داعياً إلى صحوة ضمير عالمية تنهي الانقسامات التي تذكي نار الصراعات في مناطق عدة من العالم.
أما في الأراضي الفلسطينية، فقد شهدت مدينة بيت لحم احتفالات متباينة، حيث أحيت الكنائس التي تتبع التقويم الغربي عيد الفصح، بينما احتفلت الكنائس الشرقية بأحد الشعانين. وأقيم القداس الرئيسي في كنيسة القديسة كاترينا للاتين الملاصقة لكنيسة المهد، وسط حضور من الكهنة والمصلين الذين رفعوا الصلوات من أجل انتهاء المحنة.
وفي مدينة القدس المحتلة، غابت مظاهر البهجة المعتادة جراء الإجراءات العسكرية المشددة التي فرضتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي. ومنعت قوات الاحتلال آلاف المسيحيين الفلسطينيين من الوصول إلى كنيسة القيامة، بعد أن نصبت حواجز ومتاريس حديدية في أزقة البلدة القديمة وعلى الطرق المؤدية إلى أقدس المقدسات المسيحية.
وأفادت مصادر محلية بأن الشرطة الإسرائيلية أخضعت المصلين القلائل الذين سُمح لهم بالمرور لعمليات تفتيش دقيقة واستفزازية. وتأتي هذه التضييقات في وقت تواصل فيه سلطات الاحتلال إغلاق المسجد الأقصى المبارك وكنيسة القيامة لليوم السابع والثلاثين على التوالي، مما أدى إلى شلل كامل في الحياة الدينية بالمدينة.
واضطر بطريرك القدس للاتين، الكاردينال ييرباتيستا بيتسابالا، لإقامة قداس الفصح خلف الأبواب المغلقة داخل كنيسة القيامة بحضور عدد محدود جداً من رجال الدين. ووصف شهود عيان الأجواء داخل البلدة القديمة بأنها ثكنة عسكرية، حيث حالت قوات الاحتلال دون دخول المصلين الذين تجمهروا في الخارج بانتظار فرصة للصلاة.
وعلى الجبهة الشمالية، يعيش المسيحيون في جنوب لبنان ظروفاً مأساوية تحت وطأة الحصار والقصف المتبادل بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله. وتواجه القرى ذات الأغلبية المسيحية، مثل بلدة دبل الحدودية، عزلة شبه كاملة نتيجة العمليات العسكرية المستمرة التي حولت العيد إلى مناسبة للصمود والبقاء.
ونقلت مصادر ميدانية عن أهالي القرى الحدودية أن أصوات الانفجارات لم تهدأ طوال ساعات العيد، مما أجبر السكان على البقاء في منازلهم والاعتماد على المساعدات الإنسانية الشحيحة. ورغم هذه الظروف، أكد السكان تمسكهم بالبقاء في أرضهم وإحياء شعائرهم الدينية بما يتوفر من إمكانيات بسيطة تحت القصف.
وتأتي هذه التطورات الميدانية في ظل تصاعد حدة المواجهة العسكرية التي انطلقت منذ أواخر فبراير الماضي، والتي ألقت بظلالها القاتمة على كافة مناحي الحياة في المنطقة. وقد انعكس هذا التوتر بشكل جلي على حركة الحجيج والسياحة الدينية التي توقفت تماماً في المدن المقدسة نتيجة المخاطر الأمنية.
يُذكر أن تزامن العيدين الغربي والشرقي في شهر أبريل من عام 2026 كان من المفترض أن يكون مناسبة لتوحيد الصلوات، إلا أن الواقع السياسي والعسكري فرض أجندة مختلفة. وتبقى دعوات السلام التي انطلقت من الفاتيكان وبيت لحم والقدس معلقة بانتظار تحرك دولي ينهي دوامة العنف التي تعصف بالمنطقة.
المصدر:
القدس