كشفت تحليلات صحفية حديثة عن تصاعد نفوذ التيار المسيحي الإنجيلي في صياغة توجهات السياسة الأمريكية، حيث لم يعد الدين مجرد خلفية ثقافية بل محركاً رئيساً للقرارات العسكرية والسياسية. وأشار تقرير استقصائي إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تشهد تداخلاً غير مسبوق بين المعتقدات الدينية المتعلقة بـ 'نهاية الزمان' وبين الاستراتيجيات الخارجية، خاصة فيما يتعلق بالصراع مع إيران والدعم المطلق للاحتلال الإسرائيلي.
يبرز اسم وزير الدفاع بيت هيغسيث كأحد أكثر الشخصيات تجسيداً لهذا التوجه، حيث ينتمي لطائفة 'شراكة الكنائس الإنجيلية الإصلاحية'. ويتبنى هيغسيث خطاباً يدمج بين العسكرية والعقيدة، مصوراً العمليات المسلحة كجزء من 'حرب روحية' تهدف لحماية ما يصفه بالأمة المسيحية وقهر أعدائها، وهو ما ظهر جلياً في صلواته العلنية داخل البنتاغون التي دعا فيها لـ 'عنف ساحق' ضد الخصوم.
وتشير القراءات التحليلية إلى أن هيغسيث لا يعترف بسلطة القانون الدولي أو مواثيق حقوق الإنسان في حالات الحرب، معتبراً أن القانون التوراتي هو المرجع الوحيد والملزم. هذا التوجه يضع المؤسسة العسكرية الأمريكية أمام تحديات قانونية وأخلاقية، حيث يتم تغليب التفسيرات الدينية المتطرفة على الالتزامات الدستورية والدولية التي تنظم النزاعات المسلحة.
في سياق متصل، ظهر الرئيس ترامب في خطاب وجهه للأمة مبرراً التصعيد العسكري ضد إيران، مستخدماً مزاعم حول البرنامج النووي الإيراني وصفتها مصادر استخباراتية بأنها غير دقيقة. ويبدو أن هذا الخطاب يهدف إلى تثبيت سردية الحرب لدى القاعدة الانتخابية الإنجيلية، التي ترى في مواجهة إيران ضرورة دينية تسبق كونها ضرورة سياسية أو أمنية.
وتلعب منظمات مثل 'مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل' (CUFI)، التي أسسها القس جون هاجي، دوراً محورياً في حشد الدعم للسياسات اليمينية. هاجي، الذي يمتلك تأثيراً واسعاً على ملايين الإنجيليين، يروج لفكرة أن دعم الاحتلال الإسرائيلي هو واجب توراتي يمهد للمجيء الثاني للمسيح، وهو ما يفسر الضغط المستمر لشن حروب استباقية في المنطقة.
وعلى عكس الصهيونية المسيحية التقليدية التي تركز على 'الاختطاف' والمحن، ينتمي تيار هيغسيث إلى رؤية أكثر عدوانية تسعى لتأسيس 'مملكة الرب' على الأرض عبر القوة العسكرية. هذه الرؤية الإمبريالية ترى في التوسع الأمريكي أداة إلهية، مما يجعل الدبلوماسية خياراً ثانوياً أمام لغة الرصاص والعمليات العسكرية الساحقة التي لا تعرف الرحمة.
داخلياً، تبرز مؤسسة 'هيريتيج' كذراع فكري لهذا التيار من خلال 'مشروع 2025'، الذي يسعى لإعادة صياغة المجتمع الأمريكي وفق منظور 'الأسرة الطبيعية'. وتتضمن هذه الأجندة تقييداً صارماً لحقوق الإجهاض، ومحاربة حقوق الأقليات، وتعزيز الهوية المسيحية البيضاء كركيزة أساسية للدولة، مما يعمق الانقسام المجتمعي داخل الولايات المتحدة.
وفيما يخص ملف الهجرة، يظهر الإنجيليون البيض كأشرس المؤيدين لسياسات الترحيل والقمع الحدودية، منطلقين من تصور مفاده أن التنوع العرقي يهدد 'الأمة المسيحية'. ويرى هؤلاء أن استعادة أمريكا تعني بالضرورة العودة إلى هيكلية اجتماعية قديمة تهمش الحقوق المدنية التي اكتسبتها الأقليات على مدار العقود الماضية.
من جانب آخر، بدأت تظهر تصدعات داخل قاعدة 'ماغا' (MAGA) بسبب النفوذ الإسرائيلي الطاغي، حيث تقود شخصيات مثل كانديس أوينز تياراً يشكك في جدوى الحروب الخارجية من أجل إسرائيل. هذا الصراع الداخلي يعكس تبايناً بين الكاثوليك اليمينيين والإنجيليين حول أولويات السياسة الخارجية، ومدى التضحية بالمصالح الأمريكية القومية لصالح نبوءات دينية.
وعلى الجبهة المقابلة، تحاول الجماعات التقدمية والمؤيدة لفلسطين استغلال هذه التناقضات داخل الحزب الجمهوري، حيث تخطط لإنفاق ملايين الدولارات في الدوائر الانتخابية المتأرجحة. وتهدف هذه التحركات إلى تسليط الضوء على التكاليف المالية والبشرية للحروب التي يدفع بها اليمين الديني، ومحاولة جذب الناخبين الرافضين للتدخل العسكري غير المبرر.
وتشير مصادر إلى أن السيناتور بيرني ساندرز وشخصيات تقدمية أخرى يدعمون مرشحين يعارضون علانية الحرب على إيران، مما يجعل الانتخابات القادمة اختباراً حقيقياً لمدى تأثير الملفات الخارجية على الناخب الأمريكي. ويبرز الصراع هنا بين رؤية يسارية تدعو للسلام والعدالة الدولية، ورؤية يمينية دينية تدفع نحو مواجهات عسكرية مفتوحة.
إن البنية التحتية لليمين المسيحي ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل هي شبكة معقدة تضم كليات حقوق، ومؤسسات إعلامية، ومنصات تواصل اجتماعي تعمل بتناغم لنشر أيديولوجيتها. هذه المنظومة تهدف إلى إعداد جيل جديد من القضاة والمحامين والسياسيين الذين يؤمنون بدمج الكتاب المقدس في القوانين المدنية والعسكرية للدولة.
ويرى مراقبون أن وسائل الإعلام التقليدية فشلت في تقدير خطورة هذا التيار، حيث تعاملت مع علاقة ترامب بالإنجيليين كتحالف مصلحي مؤقت وليس كاندماج أيديولوجي عميق. هذا القصور في الفهم أدى إلى غياب الرقابة الشعبية على سياسات قد تؤدي إلى كوارث دولية نتيجة دوافع غيبية لا تستند إلى واقع سياسي ملموس.
في الختام، يظل التداخل بين 'المقدس' والسياسي في واشنطن ينذر بمرحلة من عدم الاستقرار العالمي، حيث تتحول القرارات الاستراتيجية إلى أدوات لتحقيق نبوءات دينية. ومع استمرار تصدر هذه الشخصيات للمشهد، يبقى التساؤل حول قدرة المؤسسات الديمقراطية الأمريكية على لجم هذا التوجه ومنع انزلاق البلاد نحو حروب دينية بعباءة سياسية.
المصدر:
القدس