تعيش عائلات الأسرى الفلسطينيين حالة من القلق الوجودي عقب مصادقة الكنيست الإسرائيلي نهائياً على قانون إعدام الأسرى، وهو التشريع الذي يمنح سلطات الاحتلال غطاءً قانونياً لتنفيذ أحكام القتل بحق المعتقلين. وتجسد المسنة رابعة بلال من نابلس هذا الوجع، حيث يقبع ابنها معاذ وثلاثة من أحفادها خلف القضبان، معتبرة أن هذا القانون يمثل ذروة التنكيل النفسي والجسدي بذوي الأسرى.
دخل القانون حيز التنفيذ الفعلي في نهاية مارس الماضي، بعد أن حظي بتأييد أغلبية برلمانية داخل الكنيست، مستهدفاً بشكل حصري الفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين. ويأتي هذا التشريع في وقت يتجاوز فيه عدد الأسرى في السجون 9500 أسير، يواجه المئات منهم أحكاماً بالمؤبد، مما يضع حياتهم في خطر داهم تحت مقصلة القوانين الجديدة.
تؤكد عائلات الأسرى أن الظروف داخل السجون شهدت تدهوراً حاداً منذ السابع من أكتوبر، حيث انقطعت أخبار المعتقلين نتيجة منع الزيارات ومنع تواصل المحامين. وتشير شهادات لأسرى محررين إلى تعرض المعتقلين لعمليات ضرب وتجويع ممنهجة، لدرجة أن بعضهم يرفض الخروج لمقابلة المحامين تفادياً للتنكيل الذي يتعرضون له أثناء النقل.
على الصعيد الرسمي، أكدت هيئة شؤون الأسرى والمحررين أن قضية الأسرى وضعت على رأس سلم الأولويات الدبلوماسية للتحرك في المحافل الدولية. وتسعى الهيئة عبر وزارة الخارجية والسفارات الفلسطينية إلى استغلال الزخم العالمي الرافض لعقوبة الإعدام للضغط على الحكومة الإسرائيلية ووقف العمل بهذا القانون الجائر.
أوضح مسؤولون قانونيون في الهيئة أن التحرك يسير في مسارات متعددة، تبدأ بتقديم شكاوى رسمية للمقرر الخاص لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. كما يتم العمل على إعداد ملفات قانونية متكاملة لتقديمها إلى المحكمة الجنائية الدولية، رغم العقبات الميدانية التي يضعها الاحتلال لمنع توثيق الانتهاكات.
تواجه الجهود القانونية الفلسطينية تحديات جسيمة، أبرزها منع سلطات الاحتلال لفرق تقصي الحقائق الدولية وممثلي المحكمة الجنائية من دخول الأراضي الفلسطينية أو زيارة السجون. هذا التعتيم المتعمد يعيق الوصول إلى الحقائق ويوفر بيئة خصبة لاستمرار الجرائم بحق الأسرى بعيداً عن الرقابة الدولية.
يرى خبراء في القانون الدولي أن إقرار هذا القانون يمثل تحولاً بنيوياً في السياسة الإسرائيلية، حيث ينتقل الإعدام من كونه استثناءً إلى مركز السياسة الموجهة ضد الفلسطينيين. ويهدف الاحتلال من خلاله إلى إعادة تعريف المناضل الفلسطيني كـ 'فاعل معادٍ' قابل للتصفية القانونية، متجاوزاً كافة قواعد القانون الدولي الإنساني.
تعتبر الساحة الأوروبية إحدى أهم نوافذ الضغط المتاحة أمام السلطة الفلسطينية، نظراً لوجود اتفاقية شراكة تربط التعاون الاقتصادي مع إسرائيل باحترام حقوق الإنسان. ويمكن للدبلوماسية الفلسطينية تفعيل هذه الاتفاقية لتحويل الانتهاكات الإسرائيلية إلى كلفة اقتصادية وسياسية ملموسة تضغط على صانع القرار في تل أبيب.
يشدد مختصون على ضرورة طلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية وتفعيل دور مجلس حقوق الإنسان والجمعية العامة للأمم المتحدة بشكل أكثر فاعلية. إن تدويل القضية وتحويلها إلى ملف مساءلة فردية للقادة الإسرائيليين يمثل إستراتيجية 'رفع الكلفة' التي قد تلجم التغول التشريعي الإسرائيلي.
تمتلك السلطة الفلسطينية أدوات سياسية ثنائية يمكن توظيفها كأوراق ضغط مباشرة، من بينها إعادة تعريف العلاقة التعاقدية مع الاحتلال وتقليص التنسيق الأمني. هذه الخطوات، رغم حساسيتها، تندرج ضمن إستراتيجية وطنية شاملة تهدف إلى حماية الأسرى من خطر الإعدام الوشيك.
يشير محللون سياسيون إلى أن خطورة القانون تكمن أيضاً في محاولة نزع صفة التحرر الوطني عن المقاومة الفلسطينية وتحويلها إلى 'عمل إجرامي'. هذا الالتفاف القانوني يسعى لكسر الإرادة الفلسطينية وشرعنة قتل الفلسطينيين تحت مسميات قانونية مضللة أمام المجتمع الدولي.
يعتقد مراقبون أن السلطة الفلسطينية تعاني من عجز في مواجهة هذه السياسات نتيجة الضغوط الدولية والمالية التي تعرضت لها في السنوات الأخيرة. ومع ذلك، يبقى الرهان على التحركات الشعبية العالمية والضغط الحقوقي الدولي الذي قد يجد صدى داخل المؤسسة القضائية الإسرائيلية المترددة في تنفيذ القانون.
حذر محللون من أن الاعتماد الكلي على الضغط الدولي قد يكون 'سيفاً ذو حدين'، إذ قد تطلب القوى الدولية تنازلات سياسية من السلطة مقابل التدخل في ملف الأسرى. هذا التعقيد يتطلب بناء إستراتيجية موحدة تجمع بين القانون الدولي، والضغط السياسي، والتعبئة الإعلامية الشاملة.
في نهاية المطاف، تبقى صرخة 'أم بكر' وأمهات آلاف الأسرى هي المحرك الأساسي للقضية، حيث ينتظرن عدالة دولية تنقذ أبناءهن من مقصلة الاحتلال. إن مواجهة قانون الإعدام ليست مجرد معركة قانونية، بل هي اختبار حقيقي لقدرة المنظومة الدولية على حماية حقوق الإنسان في وجه تشريعات عنصرية.
المصدر:
القدس