كشفت تقارير صحفية دولية عن تفاصيل مثيرة تتعلق بقرار الولايات المتحدة فرض عقوبات مشددة على المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، فرانشيسكا ألبانيز. وأوضحت المصادر أن اللحظة التي علمت فيها الخبيرة القانونية الإيطالية بالقرار كانت أثناء إلقائها محاضرة في العاصمة السلوفينية، حيث أُبلغت بأن واشنطن قررت عزلها مالياً وتقييد حركتها وحركة عائلتها بشكل غير مسبوق.
وتشير المعطيات إلى أن العقوبات الأمريكية لم تكن مجرد رد فعل على تصريحات ألبانيز السياسية، بل جاءت نتيجة مباشرة لتحركاتها القانونية ضد مصالح اقتصادية أمريكية كبرى. فقد وجهت ألبانيز رسائل رسمية إلى 48 شركة وجامعة ومؤسسة مالية، من بينها عمالقة مثل 'ألفابت' و'لوكهيد مارتن' و'شيفرون'، محذرة إياهم من التواطؤ في جريمة الإبادة الجماعية التي يرتكبها الاحتلال في قطاع غزة.
ونقلت مصادر عن مسؤول سابق في البيت الأبيض أن استهداف الشركات والمديرين التنفيذيين الأمريكيين كان 'الخط الأحمر' الذي تجاوزته ألبانيز، مما دفع إدارة ترامب للتحرك بسرعة. وأكد المسؤول أن معاداة إسرائيل في أروقة الأمم المتحدة قد تكون أمراً معتاداً لواشنطن، لكن تهديد المصالح التجارية لقطاعات الطاقة والتكنولوجيا والابتكار استوجب رداً عقابياً حاسماً لإيقاف هذا المسار.
وتواجه ألبانيز حالياً وضعاً يوصف بـ 'النبذ المالي'، حيث جمدت البنوك حساباتها وتوقفت شركات التأمين الصحي عن التعامل معها، كما أُلغيت حجوزاتها الفندقية وبريدها الإلكتروني الأكاديمي. وتعتمد المقررة الأممية في معيشتها اليومية بتونس على المساعدات النقدية من الأصدقاء والعائلة، واصفة الإجراءات الأمريكية بأنها سلوك يشبه ممارسات 'المافيا' لترهيب الأصوات الحرة.
وفي تطور قانوني لافت، رفعت ابنة ألبانيز القاصر، وهي مواطنة أمريكية، دعوى قضائية أمام محكمة في واشنطن للطعن في هذه العقوبات، نظراً لعدم قدرة والدتها على التقاضي بموجب قواعد الأمم المتحدة. وتستند الدعوى إلى انتهاك الحق في حرية التعبير، معتبرة أن العقوبات التي تُفرض عادة على الإرهابيين وأباطرة المخدرات استُخدمت هنا لإسكات خبيرة حقوقية تؤدي واجبها المهني.
من جانبها، لم تكتفِ الإدارة الأمريكية بفرض العقوبات، بل تواصلت مع الأمانة العامة للأمم المتحدة للاستفسار عن حصانة ألبانيز، وهو ما قوبل برد اعتبرته الأخيرة 'خيانة'. فقد أوضحت الأمانة العامة أن مراسلات ألبانيز للشركات كانت بصفة شخصية، مما منح واشنطن ثغرة قانونية للمضي قدماً في إجراءاتها القمعية دون الاصطدام بالحصانات الدبلوماسية الدولية.
وعلى الصعيد الميداني، تعيش عائلة ألبانيز في تونس حالة من القلق الأمني بعد وقوع حوادث مريبة، شملت العبث بمقتنيات غرف الفنادق ووضع زجاج مكسور أمام عتبة منزلها. ويرى زوجها، الخبير الاقتصادي في البنك الدولي أن هذه المضايقات تهدف إلى الضغط عليها للاستقالة، خاصة بعد تلقيها رسائل غير رسمية من جهات مقربة من الإدارة الأمريكية تحثها على الرحيل بهدوء.
ورغم هذه الضغوط، تواصل ألبانيز عملها من مكتبها في تونس، حيث أصدرت تقارير قانونية قاسية تحت عناوين مثل 'تشريح إبادة جماعية'. وتؤكد المقررة الأممية أن صمتها أمام ما يحدث في غزة سيكون بمثابة مشاركة في الجريمة، مشددة على أن وصفها بالناشطة ليس إهانة بل هو جوهر العمل الحقوقي في مواجهة العنف الممنهج والظلم التاريخي.
وفي المقابل، تواصل البعثة الإسرائيلية لدى الأمم المتحدة حملتها ضد ألبانيز، واصفة إياها بـ 'عاملة فوضى' ومحرضة على معاداة السامية. وتزعم سلطات الاحتلال أن تقارير ألبانيز تشوه الحقائق وتقلل من شأن 'الهولوكوست'، وهي اتهامات ترفضها الخبيرة الإيطالية جملة وتفصيلاً، معتبرة إياها محاولة لتبييض الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين.
وتحظى ألبانيز بدعم واسع من منظمات حقوقية دولية وأكثر من 50 جماعة يهودية تقدمية، رأت في العقوبات الأمريكية تصعيداً خطيراً يهدد استقلالية خبراء الأمم المتحدة. ويرى مؤيدوها أنها تمثل صوتاً نادراً كسر حاجز الصمت الدولي تجاه ما يحدث في غزة، خاصة بعد وصول عدد الضحايا إلى مستويات كارثية وثقتها المنظمات الطبية والحقوقية.
وتشير التقارير إلى أن الشركات الأمريكية التي طلبت المساعدة من البيت الأبيض تنتمي لقطاعات حيوية في أجندة الإدارة الحالية، لا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي والدفاع. وقد اعتبرت هذه الشركات أن رسائل ألبانيز تمثل تهديداً قانونياً وسمعياً قد يؤثر على استثماراتها الدولية، مما جعل حمايتها أولوية قصوى لصناع القرار في واشنطن.
إن الوضع الذي تعيشه ألبانيز اليوم يعكس حجم الصراع بين القانون الدولي والمصالح الجيوسياسية والاقتصادية الكبرى، حيث يُستخدم السلاح المالي كأداة للعقاب السياسي. وتؤكد ألبانيز أن ما تتعرض له هو ضريبة 'فقأ عين الدب'، في إشارة إلى جرأتها في تسمية الأشياء بمسمياتها وتوجيه الاتهام المباشر للقوى التي تمول وتدعم الاحتلال.
ومع استمرار المعركة القانونية في المحاكم الأمريكية، يبقى منصب المقرر الخاص للأراضي الفلسطينية تحت مجهر الاستهداف المباشر، مما يضع مصداقية المؤسسات الدولية على المحك. فالعقوبات لم تطل ألبانيز كفرد فحسب، بل طالت قدرة الأمم المتحدة على حماية خبرائها وضمان استقلاليتهم في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان حول العالم.
ختاماً، تؤكد ألبانيز أن الألم الذي يعانيه الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية يفوق بكثير أي معاناة شخصية ناتجة عن العقوبات أو التضييق المالي. وتشدد على أنها ستستمر في أداء مهمتها حتى الرمق الأخير، معتبرة أن العدالة للأطفال والضحايا هي المحرك الأساسي لصمودها في وجه ما تصفه بحملات التشويه والترهيب المنظمة.
المصدر:
القدس