آخر الأخبار

زين الدلو: قصة فتاة غزة التي فقدت عينيها بالفسفور وحفظت القر

شارك

تجسد الشابة الفلسطينية زين الدلو مأساة جيل كامل في قطاع غزة، حيث ولدت فاقدة لعينيها نتيجة استنشاق والدتها للفسفور الأبيض الذي أطلقه جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال عدوانه على المدينة عام 2008. هذه المادة المحرمة دولياً سلبت زين نعمة البصر قبل أن ترى النور، لتكبر بجفون خالية من المقل، في جريمة حرب صامتة تركت أثرها الدائم على وجهها وحياتها.

تروي زين أنها لم تدرك اختلافها عن بقية الأطفال حتى بلغت السابعة من عمرها، حيث كانت تظن أن الجميع يعيشون في ذات الظلام الذي يلف عالمها. وبدعم من عائلتها، حاولت التغلب على هذا التشوه الخلقي عبر تركيب عينين صناعيتين، إلا أن ظروف الحرب الحالية والنزوح القسري المستمر حالا دون استكمال رحلة العلاج الضرورية.

أوضحت مصادر أن زين اضطرت للتخلي عن إحدى عينيها الصناعيتين بسبب الآثار الجانبية الخطيرة، حيث تتطلب هذه العيون صيانة وتبديلاً دورياً كل ستة أشهر. وفي ظل الحصار المطبق وانعدام المستلزمات الطبية في مراكز النزوح، تدهورت حالة عينها لتصبح بحاجة ماسة لتدخل جراحي عاجل لا يتوفر حالياً في القطاع المنكوب.

رغم هذه المعاناة، شق نور القرآن الكريم طريقه إلى قلب زين، حيث بدأت رحلة الحفظ بالتلقين بمساعدة والدتها رولا الدلو. كانت الأم تقرأ الآيات من المصحف وترددها الابنة خلفها بصبر وعزيمة، حتى تمكنت من حفظ الأجزاء العشرة الأولى دون الحاجة لأي وسيلة مساعدة سوى ذاكرتها القوية وصوت والدتها.

تقديراً لهذا الإنجاز الاستثنائي، قدمت 'دار القرآن الكريم والسنة' لزين مصحفاً خاصاً مكتوباً بطريقة 'بريل'، مما فتح أمامها آفاقاً جديدة للقراءة والتدبر بشكل مستقل. وقد شكل هذا المصحف رفيقاً دائماً لها في رحلة العلم والتفوق الدراسي، حيث كانت دائماً من أوائل الطلبة في مدرستها رغم انعدام المؤسسات التعليمية المتخصصة للمكفوفين.

تصف زين علاقتها بالقرآن بأنها علاقة صداقة أبدية، تلجأ إليه في لحظات الحزن لتجد السكينة، وفي أوقات الفرح لتعبر عن امتنانها. ولم تكتفِ بالحفظ، بل انتقلت لتصبح مشرفة على دورات وحلقات نسائية لتعليم تجويد القرآن الكريم عبر الإنترنت، حيث تتابع طالبات من مختلف دول العالم رغم صعوبات الاتصال في غزة.

الحرب علمتنا كثيراً، وقبلها كان القرآن بالنسبة لي كل شيء، لكن في الحرب زادت غلاوته وخاصة خلال رحلات النزوح.

من جانبها، تستذكر والدة زين اللحظات الأولى لولادة ابنتها، حين أخبرها الأطباء أن الطفلة ولدت بلا مقل عينية، وهو ما شكل صدمة كبيرة للعائلة. وأشارت الوالدة إلى أن القرآن كان الوسيلة الوحيدة لتهدئة زين في طفولتها، حيث كان صوت التلاوة يوقف بكاءها المستمر ويمنحها الطمأنينة التي تفتقدها.

خلال رحلات النزوح المتكررة تحت القصف، حرصت العائلة على حمل مصحف 'بريل' الخاص بزين رغم كبر حجمه وثقله، إدراكاً منها لقيمته المعنوية والروحية لابنتهم. ومع ذلك، تسببت شدة القصف في النزوح الثاني بفقدان هذا المصحف الوحيد، مما أضاف فصلاً جديداً من المعاناة لرحلة زين مع الكلمة المقدسة.

تؤكد زين أن الحرب الأخيرة غيرت نظرتها للأشياء، فزادت قيمة القرآن في حياتها كونه الملاذ الوحيد وسط الدمار والنزوح. وتوجه رسالة لكل من حولها بضرورة التمسك بالقرآن وتدبر آياته، مؤكدة أنه الجزء الذي لا يمكن التخلي عنه في حياة الإنسان مهما بلغت شدة الظروف المحيطة به.

على الصعيد الطبي، تشير الإحصائيات الصادرة عن وزارة الصحة في قطاع غزة إلى أن إصابات العيون تشكل نحو 11% من إجمالي الجرحى، وهو رقم يعكس تعمد الاحتلال استخدام أسلحة تسبب إعاقات دائمة. وقد تجاوز عدد الذين فقدوا أبصارهم بشكل كامل خلال العدوان الأخير حاجز الـ 3 آلاف مصاب، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته.

تعاني زين اليوم من منع السفر الذي يحرمها من الحصول على عيون صناعية جديدة أو إجراء العمليات التصحيحية اللازمة لجفونها المتضررة. وتناشد المؤسسات الحقوقية والطبية التدخل لإنقاذ ما تبقى من قدرتها على ممارسة حياتها الطبيعية، وتوفير العلاج اللازم الذي يحول بينها وبين تفاقم الالتهابات في محيط العين.

تبقى قصة زين الدلو شاهداً حياً على إرادة الشعب الفلسطيني التي لا تكسرها القذائف ولا الفسفور الأبيض، فمن رحم الظلام الذي فرضه الاحتلال، استطاعت أن تصبح منارة للعلم والقرآن. هي حكاية تختصر صمود الغزيين الذين يبحثون عن النور في قلوبهم حين تضيق بهم سبل الأرض وتغلق في وجوههم المعابر.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا