أكد فيليب لازاريني، المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) أن الوكالة تمر بأخطر مراحلها التاريخية نتيجة الهجمات الإسرائيلية الممنهجة التي استهدفت مقراتها وموظفيها. وأوضح لازاريني أن هذه الضغوط المتواصلة، التي شملت الجوانب السياسية والقانونية والميدانية، دفعت المنظمة الدولية نحو حافة الانهيار الكامل، مما يهدد الخدمات الأساسية المقدمة لملايين اللاجئين.
وأشارت تقارير صحفية دولية إلى أن لازاريني يعتزم ترك منصبه في توقيت حرج للغاية بالنسبة للقانون الدولي والنظام متعدد الأطراف. واعتبر المفوض العام أن ما تتعرض له الأونروا ليس مجرد استهداف لمؤسسة إغاثية، بل هو محاولة لتقويض حقوق الفلسطينيين التاريخية وزعزعة استقرار المنطقة بأكملها في ظل التوترات المتصاعدة.
وكشف لازاريني عن حصيلة ثقيلة من الخسائر البشرية في صفوف طواقم الوكالة، حيث تجاوز عدد القتلى 390 موظفاً منذ بدء التصعيد الأخير. كما تعرض مئات الموظفين لإصابات بليغة أدت إلى إعاقات دائمة، فيما واجه آخرون عمليات اعتقال تعسفي وظروف تعذيب قاسية داخل السجون الإسرائيلية، بالتزامن مع تدمير مئات المنشآت الحيوية في قطاع غزة.
وتطرقت المصادر إلى التشريعات الأخيرة التي أقرها الكنيست الإسرائيلي، والتي تهدف بشكل مباشر إلى إنهاء نشاط الأونروا في مدينة القدس المحتلة. وتشمل هذه الإجراءات إغلاق المدارس والعيادات الصحية التابعة للوكالة، وقطع إمدادات المياه والكهرباء عن مقراتها الرئيسية، في خطوة تهدف لإنهاء الوجود الأممي في المدينة المقدسة.
ولم تتوقف الانتهاكات عند التشريعات، بل وصلت إلى حد الاستيلاء الفعلي على مقر الوكالة في القدس ونهب محتوياته وإضرام النيران فيه. وقد رصدت تقارير احتفالات لمسؤولين إسرائيليين بهذا التدمير، في حين أطلق نائب عمدة القدس تصريحات تحريضية دعت صراحة إلى تصفية وقتل أعضاء المنظمة الدولية دون رادع.
واتهم لازاريني الحكومة الإسرائيلية بقيادة حملة تضليل منظمة تهدف إلى تشويه سمعة الوكالة والادعاء بانتهاكها لمبادئ الحياد. وأكد أن هذه الادعاءات المغرضة تسعى لإقناع المجتمع الدولي بأن الأونروا لم تعد فاعلة، رغم استمرارها في تقديم خدمات التعليم والرعاية الصحية وتوفير المياه النظيفة لمئات الآلاف من الفلسطينيين.
وشدد المفوض العام على أن الهدف الحقيقي من وراء القضاء على الأونروا هو إضعاف الموقف الفلسطيني في قضايا الحل النهائي، لا سيما حق العودة. وأوضح أن الوكالة، رغم عدم امتلاكها تفويضاً سياسياً، إلا أن سجلاتها وأرشيفها يمثلان الذاكرة الحية لتهجير الفلسطينيين وحماية حقوقهم القانونية التي لا تسقط بالتقادم.
وفي رسالة وجهها إلى رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، حذر لازاريني من تكرار الأخطاء التاريخية الكارثية التي شهدها العالم في نزاعات سابقة. واستشهد بقرار حل الإدارة المدنية في العراق عام 2003، مؤكداً أن إزاحة الأونروا ستؤدي إلى فراغ إداري وأمني يدمر فرص التعافي ويقضي على أي أمل في تحقيق سلام دائم.
ودعا لازاريني الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى ضرورة الاستفادة من خبرات موظفي الوكالة لضمان تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة. وأشار إلى أن غياب الدعم السياسي والمالي الفوري سيؤدي حتماً إلى انهيار المنظومة الإغاثية، مما يضع أعباءً هائلة على عاتق الدول المضيفة مثل لبنان وسوريا والأردن.
وأوضح التقرير أن إسرائيل، بصفتها القوة المحتلة، ستكون ملزمة قانونياً بتحمل مسؤولية تقديم الخدمات الأساسية للفلسطينيين في حال غياب الأونروا. ومع ذلك، فإن الواقع الميداني يشير إلى رغبة الاحتلال في التنصل من هذه المسؤوليات مع الاستمرار في تدمير البنية التحتية للحياة الكريمة في الأراضي المحتلة.
ووصف لازاريني الصمت الدولي تجاه ما يحدث بأنه 'مروع'، معتبراً أن الوكالة أصبحت ضحية لصراعات سياسية تُحاكم فيها بناءً على اتهامات مرسلة قبل ثبوت الأدلة. وطالب المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لحماية النظام متعدد الأطراف الذي بُني على مدار عقود لحماية حقوق الإنسان.
وحذر المفوض العام من أن الفشل في تقديم استجابة فعالة قائمة على القانون الدولي قد سمح بنشوء حالة من 'الحرب خارج نطاق القانون'. وأكد أن هذا النهج يهدد بالانتشار في كافة أنحاء الشرق الأوسط، مما يجعل حماية الأونروا ضرورة استراتيجية للأمن الإقليمي والدولي على حد سواء.
وتستمر الأونروا في تقديم خدماتها في ظروف شبه مستحيلة، حيث تعاني من نقص حاد في التمويل نتيجة تعليق بعض الدول لمساهماتها بناءً على الادعاءات الإسرائيلية. ورغم ذلك، تصر الوكالة على أن دورها في التعليم والصحة العامة يمثل شريان الحياة الوحيد لملايين اللاجئين الذين يعانون من الفقر والتهجير المتكرر.
وفي الختام، شدد التقرير على أن استمرار دعم الأونروا ليس مجرد خيار إنساني، بل هو التزام قانوني وأخلاقي تجاه قضية فلسطين. وأكد أن الحفاظ على الوكالة هو الضمانة الوحيدة للحفاظ على حقوق اللاجئين ومنع انزلاق المنطقة نحو مزيد من الفوضى والمعاناة الإنسانية التي لا يمكن التنبؤ بنهايتها.
المصدر:
القدس