آخر الأخبار

رمضان غزة بعد وقف إطلاق النار: طقوس الصمود والزينة فوق الركا

شارك

تستقبل غزة شهر رمضان المبارك وهي تتلمس ما تبقى من نبضها وذاكرتها الجريحة، حيث يدخل الشهر الفضيل إلى خيام بالية وبقايا بيوت تتكئ على جدران متصدعة. يأتي هذا الرمضان محملاً بذكريات ثقيلة توقظ الشجن في صدور الفاقدين، ويجمع شتات العائلات حول موائد منهكة تبدو فيها المقاعد الفارغة أكثر من الجالسين.

يعد هذا الرمضان هو الأول للغزيين بعد اتفاق وقف إطلاق النار، وهو لا يشبه أي عام مضى في تاريخ المدينة. ومع ذلك، يصر الأهالي على استعادة شيء من نور غزة ولو بحبل مضيء يعلقونه في أزقة الحارات المدمرة، مؤكدين رغبتهم في اقتناص لحظات الحياة حتى في أكثر البقاع خطورة.

وعلى بعد مسافة لا تتجاوز 200 متر من الخط الأصفر شرق جباليا، انهمك الشبان في تعليق الزينة فوق تلال الركام وأشرطة الضوء النحيلة على بقايا الجدران. في هذا المكان الذي لم تسدل فيه الحرب ستارها تماماً، يحاول المواطنون انتزاع لحظة فرح من قلب الدمار الذي طال كل زاوية.

وأفادت مصادر ميدانية بالتقت بالمواطن طارق الدقس، صاحب فكرة تزيين المخيم، الذي استذكر بحسرة أجواء جباليا قبل الحرب حين كانت تنبض بالألوان. وأكد الدقس أن المخيم رغم جراحه لا يهون على أهله، مشبهاً علاقتهم به بعلاقة المسلمين بالمسجد الأقصى والقدس الشريف.

وقف الدقس مقابل مسجد التوبة الذي أعاد الأهالي ترميمه بجهودهم الذاتية، مشيراً بيده نحو المنازل المنهارة التي شهدت مجازر دامية. فقد استذكر سقوط 18 شهيداً في منزل مجاور و15 في آخر، بينما فقد هو أربعة من أفراد عائلته وخرج من تحت الأنقاض حياً ليعيد الحياة للمكان.

وبجهود فردية وتكافل اجتماعي، نجح الشبان في فتح بعض الطرق المحيطة بالمسجد وسط ركام لا يزال يدفن قصصاً مفجعة. لقد مضى هؤلاء في إعادة ترتيب ما تبقى من حياتهم، متحدين محاولات المحو التي تعرضت لها المنطقة خلال الأشهر الماضية من التصعيد العسكري.

ورغم أصوات إطلاق النار والقصف المدفعي المتقطع من الآليات القريبة، أدى آلاف الغزيين صلاة التراويح في المساجد المرممة والساحات العامة. وارتفعت أصوات المصلين بالذكر والتكبير لتغطي على ضجيج القصف، في رسالة واضحة تعلن الانتصار على الخوف الذي حاول الاحتلال زرعه.

خرجت من تحت الأنقاض حياً لأحيي جباليا من جديد، فهذه الأرض لا تهون علينا وعلاقتنا بها كعلاقة المسلمين بالقدس.

وفي قلب مدينة غزة، وتحديداً عند ساحة الجندي المجهول، تحول المكان إلى مخيم واسع للنازحين يسكنه الصبر ومحاولات خجولة للفرح. هناك يحاول أيمن ريحان، الذي فقد اثنين من أبنائه، التظاهر بالسكينة من أجل ابنته صبا، عبر تزيين خيمتهم بحبل إضاءة بسيط استمد طاقته من محل مجاور.

وتتجمع النسوة أمام مداخل الخيام في أزقة المخيم المستحدث، ومعظمهن من الأرامل اللواتي يقتسمن وجع الفقد ذاته. تعبر إحداهن عن فقدان الشغف لتحضير مائدة الإفطار دون زوجها، بينما تتمنى أخرى معرفة مصير زوجها المفقود، معتبرة أن الشهادة أهون من عذاب الأسر.

ويحاول الأطفال في مخيمات النزوح خلق بهجتهم الخاصة عبر إعادة تدوير المخلفات وتحويلها إلى فوانيس رمضانية. فقد قام الطفل إبراهيم النازح من بيت حانون بصناعة فانوس من علب الكولا الفارغة، معبراً عن حنينه لأيام كان يزين فيها بيته قبل أن يفقده ويفتقد جده وعمه.

وبالانتقال إلى شارع الثورة، يظهر مشهد مختلف يحاول محاكاة الحياة الطبيعية التي عرفتها غزة قبل الحرب وإن بملامح متعبة. تزدحم المطاعم والمقاهي التي افتتحت على عجل، حيث يتشبث أصحابها بفرص العيش، وتضاء الفوانيس الكبيرة على المداخل لتجذب العائلات الراغبة في توثيق ذكرى جميلة.

أما سوق الزاوية التاريخي في البلدة القديمة، فقد عاد للحياة بجهود تجاره بعد تعرضه لدمار كبير خلال العمليات العسكرية. ورغم أن الألوان والروائح الرمضانية تملأ أركان السوق، إلا أن الحركة الشرائية تبدو خافتة بسبب الغلاء الفاحش وضعف القدرة الشرائية للسكان الذين استنزفت الحرب مدخراتهم.

وتتكدس البضائع من تمور وبهارات ومكسرات على رفوف المحال، لكن معظم المتسوقين يكتفون بالسؤال عن الأسعار دون الشراء. ويؤكد التجار أن الجيوب فارغة والرواتب مقطوعة، مما جعل السوق مكاناً للتجول والفرجة أكثر منه مكاناً للتسوق الفعلي في ظل الظروف الاقتصادية القاسية.

هكذا يدخل رمضان إلى غزة هذا العام، متسللاً بين الخيام والأسواق القديمة التي تحاول استعادة أنفاسها بصعوبة بالغة. يتوزع الناس بين مساحات الفقد والنزوح، لكنهم يجتمعون على إرادة صلبة بألا يمر هذا الشهر دون ترك أثر أو محاولة حقيقية لاستعادة نبض الحياة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا