أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن عقد الاجتماع الأول لـ 'مجلس السلام' يوم الخميس المقبل، في خطوة تهدف إلى تفعيل رؤيته السياسية لقطاع غزة. وأكد ترمب أن الدول الأعضاء في المجلس تعهدت بتقديم مبالغ تتجاوز خمسة مليارات دولار لدعم العمليات الإنسانية ومشاريع إعادة الإعمار الضرورية في القطاع الذي دمرته الحرب. وتأتي هذه الخطوة بعد أسابيع من توقيع الميثاق التأسيسي للمجلس في منتدى دافوس السويسري، بمشاركة دولية واسعة شملت قوى إقليمية ومحورية.
ويشارك في الاجتماع المرتقب وفود رفيعة المستوى من أكثر من 20 دولة، من بينها السعودية وقطر ومصر وتركيا وإندونيسيا، بالإضافة إلى تمويل وتمثيل إسرائيلي يمثله وزير الخارجية جدعون ساعر. ويهدف الاجتماع إلى وضع اللمسات الأخيرة على آليات عمل 'قوة تحقيق الاستقرار' التي فوضتها الأمم المتحدة للعمل في غزة. وقد أبدى ترمب حماسة كبيرة لهذا المسار، معتبراً إياه بديلاً فعالاً للمسارات التقليدية التي لم تنجح في إنهاء الصراع طوال العقود الماضية.
وتشير التقارير إلى أن قوة الاستقرار الدولية (ISF) ستكون الركيزة الأمنية للخطة، حيث أعلنت إندونيسيا عن استعدادها للمساهمة بنحو 8000 جندي ضمن قوة قد يصل قوامها الإجمالي إلى 20 ألف فرد. وتهدف هذه القوة إلى ملء الفراغ الأمني وتدريب شرطة محلية فلسطينية، لضمان عدم عودة العمليات العسكرية. ومع ذلك، لا تزال شروط انتشار هذه القوات ومناطق عملياتها الدقيقة تخضع لمداولات مكثفة بين الدول المشاركة والإدارة الأمريكية.
من الناحية الهيكلية، يتمتع الرئيس الأمريكي بسلطات تنفيذية واسعة داخل المجلس، تشمل حق النقض على القرارات والقدرة على عزل الأعضاء، وفقاً لميثاق المنظمة. كما يفرض الميثاق شروطاً مالية صارمة للعضوية الدائمة، تصل إلى دفع مليار دولار لتمويل الأنشطة المختلفة. ويرى مراقبون أن هذه الهيكلية تعكس رغبة واشنطن في قيادة مسار دولي جديد يبتعد عن البيروقراطية المعهودة في المنظمات الدولية التقليدية مثل الأمم المتحدة.
وفي سياق متصل، عرض جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي، رؤية اقتصادية طموحة لغزة المستقبلية، تضمنت صوراً تخيلية لناطحات سحاب ومنتجعات سياحية على شاطئ البحر. وأكد كوشنر أن تحويل غزة إلى وجهة استثمارية عالمية يتطلب ضخ استثمارات لا تقل عن 25 مليار دولار لتطوير البنية التحتية. لكنه شدد على أن هذا الازدهار الاقتصادي مرتبط بشكل عضوي بنزع سلاح حركة حماس وضمان بيئة أمنية مستقرة تجذب الشركات العالمية.
وعلى الصعيد الإداري، بدأت ملامح 'لجنة التكنوقراط الفلسطينية' بالظهور، حيث تم اختيار المهندس علي عبد الحميد شعث لرئاسة اللجنة المكونة من 15 خبيراً. وتتمثل مهمة هذه اللجنة في إدارة الخدمات العامة والبلدية اليومية لسكان القطاع تحت إشراف مباشر من مجلس السلام. وأكد شعث أن اللجنة ستركز على البعد الإنساني وتوفير المأوى الكريم، مشيراً إلى أن العمل سيبدأ تدريجياً في المناطق التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي.
وقد حظيت فكرة اللجنة الوطنية الانتقالية بدعم من الفصائل الفلسطينية، بما في ذلك حركة حماس، التي أبدت في بيان من القاهرة استعدادها لتسهيل مهام اللجنة. كما أعلنت الرئاسة الفلسطينية دعمها لهذا التوجه كجزء من ترتيبات المرحلة الانتقالية. ويهدف هذا التوافق إلى تجنب حدوث فوضى إدارية في القطاع وضمان وصول المساعدات الإنسانية وتوزيعها بشكل عادل عبر القنوات الدولية المعتمدة.
ورغم هذا الزخم، يواجه 'مجلس السلام' انتقادات حادة من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي حذر من محاولات استبدال دور مجلس الأمن الدولي. واعتبر غوتيريش أن مجلس الأمن هو الهيئة الوحيدة المخولة بموجب الميثاق الأممي بالتصرف في مسائل السلام والأمن العالمي. وأعرب عن قلقه من أن تؤدي هذه المبادرات إلى تهميش سيادة القانون الدولي واستبدالها بترتيبات سياسية تفتقر إلى الإجماع الشامل.
ومع ذلك، نجحت الإدارة الأمريكية في الحصول على تفويض من مجلس الأمن الدولي في نوفمبر الماضي، يمنح 'مجلس السلام' صلاحية العمل في غزة حتى عام 2027. وقد جاء هذا القرار بعد امتناع روسيا والصين عن التصويت، مما منح المجلس غطاءً قانونياً دولياً مؤقتاً. ويرى ترمب أن هذا التفويض يمثل اعترافاً دولياً بجدوى خطته، التي تهدف إلى تحويل غزة إلى منطقة خالية من 'التطرف' على حد وصفه.
وتتضمن خطة ترمب المكونة من عشرين بنداً عفواً مشروطاً عن عناصر الفصائل الذين يسلمون أسلحتهم أو يختارون المغادرة إلى دول أخرى. كما تنص الخطة على انسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي بالتزامن مع تسلم قوة الاستقرار الدولية لمهامها الأمنية. وتشدد الخطة على ضرورة تدمير كافة البنى التحتية العسكرية ومنع إعادة بنائها، مع وضع آلية رقابة مستقلة لضمان الالتزام بنزع السلاح بشكل دائم.
وفي الجانب الإنساني، تقضي الخطة بإدخال مساعدات كاملة فور قبول الاتفاق، تشمل إعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء والمستشفيات والمخابز. وسيتم توزيع هذه المساعدات عبر الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة الدولية دون تدخل من الأطراف المتصارعة. كما سيتم فتح معبر رفح وفق آليات متفق عليها لضمان حرية حركة الأفراد والبضائع، مما يساهم في تخفيف الحصار المفروض على السكان منذ سنوات طويلة.
ويشمل الهيكل القيادي للمجلس شخصيات نافذة مثل توني بلير، وماركو روبيو، وستيف ويتكوف، الذين سيتولون الإشراف على تنفيذ بنود الخطة. وسيعمل نيكولاي ملادينوف كممثل أعلى لغزة، ليكون حلقة الوصل بين المجلس الدولي ولجنة التكنوقراط الفلسطينية على الأرض. ويهدف هذا التشكيل إلى دمج الخبرات السياسية والاقتصادية لضمان نجاح المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار المستدام.
وعلى الرغم من الرفض الإسرائيلي الرسمي لفكرة الدولة الفلسطينية، إلا أن خطة ترمب تلمح إلى إمكانية فتح مسار سياسي نحو تقرير المصير في المستقبل. وتربط الخطة هذا المسار بنجاح برنامج إصلاح السلطة الفلسطينية وتحقيق الأمن الكامل في غزة. وتأمل واشنطن أن يؤدي النجاح الاقتصادي والأمني المفترض في القطاع إلى تغيير القناعات لدى الطرفين والتمهيد لتعايش سلمي طويل الأمد.
ختاماً، يمثل اجتماع الخميس المقبل اختباراً حقيقياً لقدرة 'مجلس السلام' على تحويل الوعود المالية والخطط النظرية إلى واقع ملموس على الأرض. وبينما يترقب سكان غزة أي انفراجة تنهي معاناتهم، تظل التحديات الميدانية والسياسية قائمة، خاصة فيما يتعلق بآليات نزع السلاح وقبول القوى المحلية بالدور الأمني الدولي الجديد في القطاع.
المصدر:
القدس