يستعد سكان قطاع غزة لاستقبال شهر رمضان المبارك في أجواء تخيم عليها ملامح القلق والحرمان، بعيداً عن المظاهر المعتادة التي كانت تميز الأسواق في السنوات السابقة. فقد أدى العدوان الأخير إلى تدمير واسع في البنية التحتية التجارية، مما غيّب الحركة النشطة واستبدلها بواقع مثقل بشح السلع الأساسية وتراجع حاد في القدرة الشرائية.
وأفادت مصادر ميدانية بأن الحرب دمرت معظم الأسواق الرسمية التابعة للبلديات في مختلف محافظات القطاع، مما أجبر الباعة على إنشاء أسواق عشوائية وبسطات صغيرة في الشوارع. هذه البدائل تفتقر إلى أدنى المقومات التنظيمية والصحية، وتقتصر المعروضات فيها على كميات محدودة جداً من البقوليات والأرز وبعض المواد التموينية البسيطة.
وعلى صعيد الإمدادات، تشير البيانات الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي إلى فجوة كبيرة بين الاحتياجات الفعلية وما يتم السماح بدخوله. فرغم أن اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 10 أكتوبر الماضي نص على دخول 600 شاحنة يومياً، إلا أن الواقع يشير إلى دخول نحو 250 شاحنة فقط، وهو ما يمثل أقل من نصف الكمية المتفق عليها.
وتستمر سلطات الاحتلال في فرض قيود مشددة على دخول قائمة طويلة من السلع والمواد الخام تحت ذرائع أمنية وتصنيفها كـ 'مواد مزدوجة الاستخدام'. هذا المنع الممنهج انعكس بشكل مباشر على وفرة المواد الغذائية في الأسواق، مما فاقم من أزمة غذائية بدأت ملامحها منذ عامين ولا تزال تشتد ضراوتها يوماً بعد آخر.
وفي جولة داخل سوق الزاوية التاريخي بمدينة غزة، يظهر التباين الواضح بين الماضي والحاضر؛ حيث يسود الهدوء مكاناً كان يضج بالمتسوقين. ورغم عرض بعض البضائع الرمضانية، إلا أن الأسعار المرتفعة حالت دون قدرة المواطنين على الشراء، مما جعل السوق يبدو خالياً من رواده المعتادين في مثل هذه الأيام.
من جانبه، كشف ماهر طباع، المدير العام للغرفة التجارية والصناعية، عن أرقام صادمة تعكس حجم الكارثة الاقتصادية، حيث انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 86% مقارنة بالعام الماضي. وأوضح أن تدمير 85% من المنشآت الاقتصادية أدى إلى وصول معدلات البطالة إلى حاجز 80%، وهي نسبة غير مسبوقة عالمياً.
وتشير التقارير الاقتصادية إلى أن معدلات الفقر في القطاع تجاوزت 90%، في حين يعاني أكثر من 1.6 مليون مواطن من انعدام الأمن الغذائي الحقيقي. هذه الأرقام تترجم واقعاً معيشياً مريراً، حيث يعتمد الغالبية العظمى من السكان على مساعدات إغاثية شحيحة لا تغطي الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة.
وشهدت أسعار السلع الأساسية قفزات جنونية وصلت في بعض الأصناف إلى 300%، مما جعل تأمين وجبة إفطار بسيطة تحدياً كبيراً لرب الأسرة. هذا الغلاء الفاحش يتزامن مع انعدام الدخل الثابت لمئات الآلاف من العمال والموظفين الذين فقدوا مصادر رزقهم جراء الاستهداف المباشر للمصانع والورش والمحال التجارية.
وهكذا، يحل شهر رمضان على غزة وهي تئن تحت وطأة الحصار والدمار، وسط استمرار الاعتداءات الإسرائيلية التي لم تتوقف رغم سريان اتفاقات التهدئة. ويبقى المواطن الغزي عالقاً بين بسطات تعرض القليل بأسعار خيالية، وبين أمل غائب في انفراجة قريبة تعيد للشهر الفضيل قدسيته وطمأنينته المفقودة.
المصدر:
القدس