جدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير دفاعه بيت هيغسيث التزامهما الصريح بتحويل الولايات المتحدة إلى ما يشبه 'الجمهورية المسيحية'، وذلك خلال مشاركتهما في حفل إفطار الصلاة الوطني الأخير. وشدد ترامب في خطابه على أن الحقوق الأمريكية هي هبة إلهية وليست منحة حكومية، معلناً سعيه لإعادة تكريس البلاد تحت رعاية الله.
ولم يكتفِ ترامب بالجانب الوعظي، بل أبدى استغرابه من توجهات الناخبين المؤمنين الذين يصوتون للحزب الديمقراطي، معتبراً إياهم في تضاد مع القيم الدينية التي يمثلها مشروعه. ويأتي هذا الخطاب في سياق شيطنة الخصوم السياسيين وتصويرهم كعدو داخلي يهدد الهوية المسيحية الراسخة للولايات المتحدة.
من جانبه، ذهب وزير الدفاع بيت هيغسيث إلى أبعد من ذلك، حيث استشهد بنصوص إنجيلية للتأكيد على أن جوهر أمريكا مسيحي بامتياز. وكشف هيغسيث عن ممارسات دينية مستحدثة داخل أروقة وزارة الدفاع، من بينها إقامة صلوات جماعية شهرية، في خطوة تعكس تداخل المؤسسة العسكرية مع التوجهات الأيديولوجية الدينية.
ويرى مراقبون أن هذا التوجه ليس مجرد خطاب عابر، بل هو استدعاء لإرث تاريخي طويل بدأ منذ عهد أبراهام لينكولن وتطور خلال الحرب الباردة في عهد آيزنهاور. فقد استُخدم الدين تاريخياً كسلاح أيديولوجي لتعزيز الوحدة الوطنية في مواجهة الخصوم، سواء كانوا انفصاليين أو شيوعيين.
وفي إطار تعزيز هذا التوجه، أعلن ترامب عن تنظيم تجمع وطني ضخم للصلاة في الساحة الوطنية بواشنطن في مايو 2026. ويهدف هذا التجمع إلى حشد القاعدة الشعبية المؤمنة وإظهار القوة العددية للتيار المسيحي القومي الذي يدعم سياسات الإدارة الحالية بشكل مطلق.
وتشير الإحصاءات التي ساقها ترامب إلى طفرة في التدين داخل المجتمع الأمريكي، حيث سجلت مبيعات الكتاب المقدس في عام 2025 أرقاماً قياسية لم تشهدها البلاد منذ قرن. كما لفت إلى زيادة كبيرة في أعداد المرتادين الجدد للكنائس، مما يعزز من شرعية خطابه الديني في نظر مؤيديه.
وعلى الصعيد المؤسسي، أثارت 'لجنة الحرية الدينية' التي استحدثتها وزارة العدل جدلاً واسعاً وقضايا قانونية من قبل ائتلافات دينية متنوعة. وتتهم هذه المنظمات، التي تضم مسلمين وهندوس وسيخ، الإدارة بالترويج للقومية المسيحية المحافظة على حساب التعددية الدينية التي كفلها الدستور الأمريكي.
وفي مفارقة لافتة، يحظى وزير الدفاع هيغسيث بدعم واسع من جماعات ضغط يهودية أرثوذكسية رغم استخدامه لرموز الحروب الصليبية. ويعكس هذا التحالف تقاطع المصالح بين الصهيونية المسيحية واليمين الإسرائيلي، حيث يتم تجاوز الخلافات العقائدية التاريخية لصالح أجندات سياسية مشتركة في المنطقة.
أما فيما يخص السياسة الخارجية، فقد انعكس هذا المنظور الديني على تعامل واشنطن مع الأزمات الدولية، حيث وصف ترامب قصف نيجيريا بأنه 'هدية عيد الميلاد'. هذا الربط بين العمل العسكري والمناسبات الدينية يكرس فكرة 'الحرب المقدسة' التي تتبناها بعض أجنحة الإدارة الحالية.
وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، قلل ترامب من شأن استمرار المجازر في قطاع غزة، واصفاً إياها بـ 'الجمرات الصغيرة' التي لا تعيق مسار السلام المزعوم. وتأتي هذه التصريحات في وقت تشير فيه التقارير إلى مقتل مئات الفلسطينيين منذ إعلان وقف إطلاق النار الصوري في أكتوبر الماضي.
وتكشف هذه السردية عن استرخاص دماء الضحايا الفلسطينيين، حيث يتم تصوير موتهم كأضاحي على مذبح السياسة الأمريكية المتشحة بالدين. وتستمر المصادر في رصد كيف يتم توظيف مفهوم 'السلام' لتغطية عمليات القتل الممنهج التي تمارسها قوات الاحتلال بدعم أمريكي غير محدود.
إن عملية تحويل أمريكا إلى جمهورية مسيحية رسمية تتجاوز الرموز المطبوعة على العملات الورقية لتصل إلى صياغة القرارات المصيرية. فالدين هنا ليس مجرد معتقد شخصي للرئيس، بل هو أداة لإعادة تعريف الهوية الوطنية وتبرير التدخلات العسكرية في الخارج تحت غطاء أخلاقي زائف.
ويواجه هذا التوجه معارضة من منظمات حقوقية ترى فيه تهديداً لمبدأ فصل الدين عن الدولة، وهو المبدأ الذي كان يمثل حجر الزاوية في الديمقراطية الأمريكية. ومع ذلك، يبدو أن الإدارة الحالية ماضية في مشروعها، مستندة إلى قاعدة شعبية ترى في ترامب 'قائداً صليبياً' معاصراً.
ختاماً، يظهر المقال أن السياسة الأمريكية في عهد ترامب باتت محكومة برؤية 'يهو-مسيحية' ضيقة تقصي الآخرين وتشرعن العنف. وهذا التحول لا يؤثر فقط على الداخل الأمريكي، بل يمتد أثره ليشمل صياغة مستقبل الشرق الأوسط وفق تصورات غيبية تتجاهل حقوق الشعوب ومعاناتها الإنسانية.
المصدر:
القدس