لم يكن معبر رفح الحدودي مجرد ممر جغرافي يربط قطاع غزة بالعالم الخارجي، بل مثل على مدار عقود ميزاناً للصراع بين الطموح الوطني الفلسطيني في السيادة وبين الهواجس الأمنية الإسرائيلية. فمنذ هبوط طائرة الرئاسة الأمريكية في مطار غزة الدولي عام 1998، استبشر الفلسطينيون خيراً بكسر قيد العزلة، إلا أن تلك الأحلام تلاشت تدريجياً تحت وطأة الاستهداف الممنهج للبنية التحتية السيادية.
شكل مطار غزة الدولي، الذي شيد بتكلفة تجاوزت 67 مليون دولار، ذروة السعي الفلسطيني لبناء مرافق مستقلة عقب اتفاقية 'واي ريفر'. لكن هذا المرفق لم يدم طويلاً، إذ بدأت سلطات الاحتلال بتدميره تدريجياً منذ اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، وصولاً إلى تجريف مدرجاته وقصف صالاته بالكامل في العمليات العسكرية المتعاقبة، حتى تحول اليوم إلى منطقة عازلة لا أثر فيها للحياة.
بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005، دخل المعبر مرحلة جديدة بموجب 'اتفاقية المعابر' التي وضعت الإدارة تحت إشراف السلطة الفلسطينية ومصر بوجود مراقبين أوروبيين. ورغم أن الاتفاق هدف لتسهيل الحركة، إلا أن إسرائيل احتفظت بجهاز تحكم غير مباشر عبر منع وصول المراقبين الدوليين، مما كان يؤدي لإغلاق المعبر لأسابيع طويلة بذريعة الدواعي الأمنية.
أحدث الانقسام الفلسطيني في عام 2007 تحولاً جذرياً في وظيفة المحيث تحول من ممر تجاري وإنساني إلى أداة للضغط السياسي المتبادل. ومع فرض الحصار المشدد، اضطر الفلسطينيون لابتكار وسائل بديلة للبقاء، فظهرت 'دولة الأنفاق' التي مثلت تمرداً جغرافياً على الواقع السياسي المفروض فوق الأرض، قبل أن تبدأ حملات ردمها المكثفة في عام 2014.
عاش سكان قطاع غزة سنوات من 'الموت السريري' للمعبر بعد عام 2013، حيث أصبح الفتح الاستثنائي هو القاعدة السائدة لسنوات طويلة. وخلال تلك الفترة، برزت ظاهرة 'التنسيقات' التي حولت حق التنقل الطبيعي إلى تجارة رابحة يدفع فيها المسافرون آلاف الدولارات لشركات أمنية ووسطاء مقابل الحصول على فرصة للمغادرة أو العودة.
مع اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023، دخلت المنطقة فصلاً جديداً من التصعيد انتهى باحتلال إسرائيل للجانب الفلسطيني من المعبر في مايو 2024. هذا الاحتلال المباشر أوقف تماماً حركة الأفراد والبضائع، وحول المنطقة الحدودية إلى ساحة عمليات عسكرية مفتوحة، مما فاقم الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخ القطاع.
في الثاني من فبراير 2026، أُعيد فتح المعبر ضمن ما يُعرف بالمرحلة الثانية من 'خطة النقاط العشرين' التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. ورغم أن الفتح كان استحقاقاً مؤجلاً من المرحلة الأولى، إلا أن إسرائيل ربطت تنفيذه بملف استعادة جثث أسراها، مما جعل المعبر رهينة للمساومات السياسية والعسكرية المعقدة.
الواقع الجديد للمعبر بعد إعادة فتحه لم يعد كما كان في السابق، إذ تحول الموقع إلى ما يشبه 'المصيدة الأمنية' المتطورة. فقد أنشأ جيش الاحتلال نقطة عسكرية ثابتة أطلق عليها اسم 'ريغافيم'، مخصصة لفحص هويات القادمين والتدقيق في بياناتهم الشخصية ومطابقتها مع قوائم أمنية معدة مسبقاً، مما يعزز السيطرة الاستخباراتية على كل من يعبر البوابة.
تفيد تقارير ميدانية بأن سلطات الاحتلال لم تكتفِ بالإجراءات التقنية، بل استعانت بمليشيات محلية لمرافقة المسافرين داخل المناطق الخاضعة لسيطرتها في رفح. ووفقاً لمصادر إعلامية، فإن هذه المجموعات تمارس ضغوطاً وتنكيلاً بحق العائدين، في سياسة تهدف بوضوح إلى ترهيب الفلسطينيين وثنيهم عن التفكير في العودة إلى ديارهم داخل القطاع.
يعاني العابرون من خلال نقطة 'ريغافيم' من إجراءات تفتيش مهينة وتحقيقات قاسية تستمر لساعات طويلة تحت أشعة الشمس أو البرد القارس. هذه الممارسات الممنهجة تعكس رغبة الاحتلال في تحويل المعبر من جسر للحياة إلى أداة للفرز الأمني والتهجير القسري الناعم، عبر جعل تجربة السفر قطعة من العذاب اليومي.
إن المقارنة بين مشهد طائرة كلينتون في التسعينيات ومشهد الدبابات الإسرائيلية اليوم تلخص مأساة 'التغريبة' الفلسطينية في رفح. فبينما كان الحلم هو التحليق نحو العالم بسيادة كاملة، أصبح الواقع هو المرور عبر ممرات ضيقة تحت شاشات المراقبة الإسرائيلية وبإذن مباشر من ضباط الشاباك، مما يفرغ مفهوم 'الفتح' من مضمونه الإنساني.
رغم أن إعادة تشغيل المعبر تمنح المرضى والطلاب بصيصاً من الأمل في الوصول إلى وجهاتهم، إلا أن الثمن السياسي والأمني يبدو باهظاً. فالسيطرة الإسرائيلية المطلقة على حركة الأفراد تعني أن غزة لا تزال تعيش داخل سجن كبير، لكن بأسوار تكنولوجية وعسكرية أكثر تعقيداً مما كانت عليه قبل عقود.
تؤكد الوقائع الحالية أن إسرائيل تستخدم خطة 'النقاط العشرين' لترسيخ واقع أمني جديد يخدم رؤيتها بعيدة المدى لتفتيت الهوية الجغرافية للقطاع. فالمعبر الذي كان من المفترض أن يكون بوابة للدولة العتيدة، تحول بفعل الأمر الواقع إلى ثكنة عسكرية متطورة تخدم أهداف الاحتلال في الرقابة والسيطرة الدائمة.
يبقى معبر رفح شاهداً على صراع الإرادات في فلسطين، حيث تتصادم رغبة الشعب في الحرية مع إصرار الاحتلال على خنق كل منافذ الحياة. وفي ظل غياب حل سياسي شامل، تظل بوابة رفح معلقة بين وعود الانفراج الدولي وبين قبضة الأمن التي لا تترك للفلسطينيين سوى خيارات صعبة في رحلة البحث عن حقهم الطبيعي في الحركة.
المصدر:
القدس