جسدت المواطنة آمال عمران مشهد العودة بتفاصيله المؤلمة والمؤثرة، حين وصلت إلى مدينة العريش المصرية متوجهة إلى قطاع غزة، حيث خلعت نعليها لتعبر الحدود حافية القدمين وفاءً لنذر قطعته على نفسها. ورغم أنها غادرت القطاع ومنزلها في خان يونس قائم، إلا أنها عادت لتجده ركاماً بفعل القصف، لتستقر في خيمة تفتقر لأدنى مقومات الحياة الأساسية.
تؤكد آمال أنها لا تشعر بأي ندم على قرار العودة، بل تعبر عن سعادة غامرة وراحة بال لم تجدها في شقق الاغتراب. وترى أن غزة، رغم الجراح، تظل المكان الأفضل في الكون لأنها الوطن الذي يحتاج لأهله وعزوته في هذه الظروف القاسية، داعية جميع المغتربين لعدم التردد في الرجوع.
بدأت رحلة العودة لعدد محدود من الفلسطينيين الأسبوع الماضي، عقب سماح قوات الاحتلال بإعادة تشغيل معبر رفح في الثاني من فبراير الجاري. وجاءت هذه الخطوة تحت ضغوط من الوسطاء وتنفيذاً لخطة الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، إلا أن القيود الإسرائيلية لا تزال تعرقل حركة الآلاف.
وتشير التقديرات الحكومية في غزة إلى أن هناك ما يقارب 80 ألف فلسطيني ينتظرون دورهم للعودة إلى ديارهم رغم استمرار الاعتداءات وتردي الأوضاع المعيشية. وتواجه هذه الرغبة الشعبية بسياسات احتلالية تهدف إلى ترهيب المسافرين وجعل رحلة العودة تجربة محفوفة بالمخاطر والتنكيل الأمني.
من جانبها، تروي انتصار العكر قصة عودتها إلى منطقة المواصي بخان يونس، حيث لم تجد من منزلها في رفح سوى الذكريات بعد تدميره بالكامل. وتقول انتصار إنها تعيش الآن في خيمة تفتقد للماء والكهرباء والأثاث، لكنها تشعر برضا تام لأنها استعادت شعور القرب من الأرض والوطن.
وتضيف العكر أن سنوات الغربة الثلاث كانت الأصعب في حياتها، وكان الحنين لغزة يطاردها في كل لحظة. وتؤكد أن حبة رمل من تراب القطاع تساوي الدنيا وما فيها بالنسبة لها، وهو موقف يشاركه فيه معظم الفلسطينيين الذين هجروا قسراً خلال سنوات الحرب والعدوان.
أما لمياء حمتّو، التي كانت تعيش حياة وُصفت بالـ 'مرفهة' في مصر، فقد اختارت العودة الفورية بمجرد فتح المعبر. وتوضح لمياء أن الرفاهية في الغربة لا يمكن أن تعوض دفء الوطن، مشيرة إلى أن الشوق لغزة هو شعور جماعي يتجاوز الحسابات المادية للأمان والراحة.
وتدرك لمياء حجم الأخطار المحدقة بالقطاع وسوء الأحوال المعيشية، لكنها تشدد على أن الانتماء للأرض أقوى من أي تهديد. وتصف إجراءات الاحتلال على المعبر بأنها محاولات يائسة لكسر إرادة الفلسطينيين ومنعهم من التمسك ببيوتهم حتى لو تحولت إلى خيام.
وتكشف الإحصائيات الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة عن بطء شديد في حركة المحيث لم يعد سوى 356 فلسطينياً حتى منتصف فبراير الجاري. وفي المقابل، غادر القطاع 455 شخصاً، مما يعني أن الحركة الفعلية لا تتجاوز 29% من الأعداد المتفق عليها مع الوسطاء.
وتتحدث مصادر عن ممارسات تنكيلية ممنهجة يرتكبها جنود الاحتلال بحق العائدين، تشمل التحقيقات الأمنية المطولة والانتظار لساعات في ظروف جوية قاسية. كما يتم إخضاع المسافرين لتفتيش مذل ومصادرة مقتنياتهم الشخصية قبل السماح لهم باستقلال الحافلات نحو مدن القطاع المدمرة.
وأفادت مصادر حكومية بأن آلية العمل الحالية في معبر رفح غير كافية بتاتاً لاستيعاب الأعداد الكبيرة الراغبة في العودة. وحذرت المصادر من أن استمرار هذه الوتيرة يعني أن عودة جميع الراغبين قد تستغرق سنوات، وهو ما يتنافى مع التفاهمات التي قضت بفتح المعبر بشكل أوسع.
ويرى مراقبون أن الترابط الاجتماعي الوثيق هو المحرك الأساسي لهذه العودة الجماعية، حيث يفتقد الفلسطيني في الغربة البيئة العائلية الحاضنة. وفي غزة، ورغم الدمار، يجد العائدون تآلفاً اجتماعياً يمنحهم القدرة على الصمود ومواجهة تحديات النزوح المتكرر داخل القطاع.
من الناحية النفسية، يحلل الخبراء هذا الإصرار على العودة بأنه 'حيلة دفاعية' يطغى فيها حب الانتماء على غريزة البقاء المادية. ويشير الباحث النفسي أسامة عماد إلى أن عودة الإنسان إلى منطقة خطر وخيمة تعكس صلابة نفسية استثنائية حيرت المتخصصين في دراسة السلوك البشري.
ويخلص التقرير إلى أن الذاكرة الفلسطينية المرتبطة بالأرض لا يمكن محوها بأدوات القتل والتشريد، بل تزداد تجذراً مع كل محاولة للتهجير. ويظل الأمل واليقين هما الدافعين الأساسيين اللذين يجعلان من الخيمة فوق الركام خياراً مفضلاً على القصور في بلاد الاغتراب.
المصدر:
القدس