آخر الأخبار

المفقودون تحت الركام.. هكذا حول الاحتلال المنازل إلى مقابر في غزة

شارك

الحدث – مثنى النجار

لا يزال ملف المفقودين تحت الركام والمغيبين قسرا؛ أحد أكثر الملفات الإنسانية قسوة في قطاع غزة، حيث تشير التقديرات الرسمية إلى وجود أكثر من 10 آلاف مفقود، بين شهداء ما زالوا تحت أنقاض منازلهم المدمرة، وآخرين لا تتوفر أي معلومات عن مصيرهم، في ظل بطء عمليات الانتشال نتيجة شحّ الإمكانيات وخطورة العديد من المناطق المستهدفة سابقًا.

وبالتزامن مع إعلان طواقم الدفاع المدني في قطاع غزة، بدء عمليات انتشال محدودة في خانيونس ومدينة غزة ومخيم المغازي، تتجدد آمال عائلات المفقودين في الوصول إلى جثامين أبنائهم ودفنهم بكرامة بعد أشهر طويلة من الانتظار خلال حرب الإبادة وما بعدها.

في حي الأمل غرب خانيونس، تقف الشابة هدى أبو هلال، الناجية الوحيدة من عائلتها، تحدّق في ركام منزلها الذي يرقد تحته والدها ووالدتها وأشقاؤها منذ شهور. هدى التي نجت بأعجوبة من القصف، تروي تفاصيل اللحظة التي غيّرت حياتها للأبد، قائلة: “كنت عند عائلتي في المنزل، وطلبت مني والدتي إحضار بعض الأغراض من الطابق السفلي، وفي تلك اللحظة سقط الصاروخ الإسرائيلي وحول المكان إلى ركام.

وفي التفاصيل، تضيف هدى: وقع على جسدي الركام، بينما أصاب الصاروخ بشكل مباشر والدتي ووالدي وإخوتي. وتشير هدى إلى أن جثامين أفراد عائلتها ما زالت تحت الركام منذ أشهر، بسبب خطورة المنطقة في حينه، مؤكدة أن انتظار لحظة انتشالهم “لم يكن بحثًا عن حقيقة الموت، بل من أجل كرامة الدفن”.

في المنزل المجاور، تتحدث نيفين أبو هلال، زوجة عمها، عن مجزرة مروعة شهدها الحي، فقدت خلالها عددًا من أقاربها، إلى جانب تدمير منازلهم وارتقاء زوجها. تقول نيفين: “ما حدث لم يكن قصفًا عاديًا، بل مجزرة مسحت عائلات بأكملها من السجل المدني. نحن مدنيون أبرياء، ما ذنبنا؟”.

وتقف عائلة أبو هلال، ومن تبقى منها، في انتظار وصول طواقم الدفاع المدني إلى جثامين أحبائهم، في مشهد يتكرر يوميًا لعشرات العائلات في مختلف مناطق القطاع.

وبين الركام، لا تزال الطفلة تكوين الطويل 4 سنوات من النصيرات مفقودة منذ قصف منزل عائلتها، حالها كحال أكثر من 10 آلاف مفقود في قطاع غزة، وفق ما يؤكده عمها أحمد الطويل الذي فقد 54 من أفراد عائلته في مجزرة واحدة ارتُكبت بتاريخ 15 أكتوبر 2023، فيما لا تزال العائلة تبحث عن رفات 12 شخصاً يُعتقد أنهم ما زالوا تحت الأنقاض، دون قدرة على انتشالهم بسبب نقص المعدات والإمكانيات.

وفي مشهد آخر لا يقل وجعاً، يروي محمد فتحي لمراسل "صحيفة الحدث" في قطاع غزة، قصة الطفلة جنى رأفت حسن لبد، التي فُقدت عقب قصف منزل عائلتها في 18 نوفمبر 2023. أُبلغت العائلة باستشهادها ليلاً، ثم تبيّن صباح اليوم التالي أنها نُقلت وهي على قيد الحياة إلى المستشفى الإندونيسي، قبل أن تنقطع أخبارها تماماً وسط الفوضى والقصف المحيط بالمستشفى. ويضيف محمد: منذ ذلك الحين، لم تتلق العائلة أي معلومة عن مصيرها رغم بحثهم في مستشفيات الشفاء والمعمداني وكمال عدوان.

الفقد لا يتوقف عند الأطفال، فـالشابة لميس شعت ما زالت تبحث منذ خمسة أشهر عن والدها الطبيب حمودة شعت، الذي خرج لتفقد منزله في خانيونس ولم يعد. تقول: "والدي رجل مسن، لا علاقة له بأي عمل سياسي، كانت مهمته خدمة الناس، لكننا لم نعرف عنه شيئاً منذ ذلك اليوم."

أما زوجة محمود عطا مقلد، فتعيش على أمل واهٍ منذ عامٍ وثمانية أشهر لمعرفة مصير زوجها الذي فُقد في 18 فبراير أثناء توجهه من رفح إلى خانيونس. تروي بحزن: "كان يرتدي بلوزة صوف زرقاء وبنطال جينز وجاكيت زيتي، خرج ولم يعد... لا نعرف إن كان حياً أم شهيداً."

ويقف ملف المفقودين في غزة شاهداً دامغاً على حجم الانتهاكات الإسرائيلية، بعد أن تجاوز عددهم 10 آلاف فلسطيني بينهم أطفال ونساء وشيوخ، فيما تعيش آلاف العائلات بين قلقٍ لا ينتهي ويأسٍ لا يرحل، تبحث عن أثر، عن اسم، أو حتى عن قطعة قماش تشير إلى أن من تحب كان يوماً هنا.

من جانبه، يقول المقدم سامح حمد، مدير الأدلة الجنائية والجثث المجهولة والمفقودين في وزارة الصحة بقطاع غزة، إن عمليات انتشال الجثامين تُعد “باكورة عمل” للجنة الطوارئ الحكومية، بالتعاون مع الصليب الأحمر.

ويؤكد حمد أن الطواقم تعمل في ظل إمكانيات محدودة للغاية، مشيرًا إلى أن “الآليات المصرية التي دخلت سابقًا للمساعدة تعرضت للقصف والتلف، ما فاقم من صعوبة المهمة”.

وأوضح أن العمل يتركز حاليًا في محافظة خانيونس، بعد استكمال عمليات محدودة في مدينة غزة والمنطقة الوسطى، لافتًا إلى وجود 75 منزلًا لا تزال جثامين شهداء تحت أنقاضها في خانيونس، بينها 25 منزلًا تقع ضمن ما يُعرف بالخط الأصفر، وهي مناطق عالية الخطورة.

وأضاف أن حي الأمل غرب خانيونس يُعد من أكثر المناطق تضررًا، حيث يوجد 13 منزلًا تحتها نحو 55 شهيدًا ما زالوا بانتظار الانتشال.

ومع استمرار شح المعدات الثقيلة، وغياب فرق متخصصة كافية، يبقى ملف المفقودين جرحًا مفتوحًا في ذاكرة غزة، وشاهدًا على حجم الكارثة الإنسانية، فيما تواصل آلاف العائلات انتظار خبر، أو جثمان، أو حتى بقايا أمل تُنهي شهورًا من القهر وتمنح أحباءهم حقهم الأخير في الدفن بكرامة.

وتشير بيانات رسمية صادرة عن جهات حكومية وفرق الإنقاذ في قطاع غزة إلى أن عدد المفقودين تجاوز 10000 شخص منذ بدء الحرب، بينهم آلاف الشهداء الذين ما زالوا تحت أنقاض منازلهم المدمرة، فيما لا تتوفر أي معلومات عن مصير آخرين.

وتُقدّر الجهات المختصة أن نحو 30–35% من إجمالي الشهداء ما زالوا إما مفقودين أو لم يتم انتشال جثامينهم، بسبب التدمير الواسع للبنية التحتية، وخطورة المناطق المستهدفة، والنقص الحاد في المعدات الثقيلة وفرق البحث المتخصصة.

كما تؤكد طواقم الدفاع المدني أن مئات المنازل المدمرة كليًا في مختلف محافظات القطاع لا تزال تحتوي على جثامين شهداء، لا سيما في مناطق غرب خانيونس، ومدينة غزة، وشمال القطاع، ما يجعل ملف المفقودين أحد أكثر الملفات الإنسانية تعقيدًا وإلحاحًا في المرحلة الحالية.

ووفق الدفاع المدني، فإن طواقمه رغم شح الإمكانيات والقدرات المحدودة، تعمل ليل نهار في محاولة لانتشال المفقودين من تحت الأنقاض.

وفي وقت سابق، قالت اللجنة الوطنية لشؤون المفقودين في حرب الإبادة على غزة إن أكثر من 10 آلاف شهيد لا يزالون مدفونين تحت الأنقاض. وقال علاء الدين العكلوك، متحدثا باسم اللجنة، إن القطاع "تحول إلى أكبر تجمع للمقابر في العالم".

وأوضح أن "هؤلاء الشهداء دفنوا تحت أنقاض منازلهم التي تحولت إلى مقابر جماعية، دون أن تصان لهم كرامتهم الأخيرة أو تنتشل أجسادهم"، وقال: نعبر عن صدمتنا واستنكارنا الشديد لغياب الدور الفاعل للمنظمات الدولية والهيئات الإنسانية، خصوصا تلك المعنية بملف المفقودين، في ظل ما يجري من كارثة إنسانية متفاقمة، ونتابع بألم شديد ما وصفه بازدواجية المعايير الدولية في التعامل مع جثامين الضحايا الفلسطينيين، مقارنة بالاهتمام الذي أبدته جهات مختلفة في استخراج جثامين الأسرى الإسرائيليين، مما يعكس ظلما فادحا وتحيزا واضحا ضد ضحايا غزة.

ودعا العكلوك، إلى تفعيل كل القنوات السياسية والقانونية واللوجستية، للضغط من أجل متابعة ملف المفقودين ورعاية شؤون عائلاتهم، كما طالب، المجتمع الدولي بإدخال فرق متخصصة ومعدات ثقيلة وتقنيات للكشف عن الجثامين تحت الأنقاض، وإجراء الفحوصات الجينية "دي إن إيه" للتعرف على هويات الضحايا، وعدم تركهم في عداد المفقودين مجهولي الهوية.

ورغم اتفاق إنهاء الحرب على غزة، تستمر الخروقات الإسرائيلية والمجازر التي يرتكبها جيش الاحتلال يوميا في قطاع غزة بحق المدنيين، حيث ارتكب الاحتلال ويواصل ارتكاب جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان وفق تعريفات القانون الدولي، يستخدم فيها الغذاء والماء والدواء كسلاح حرب، وهدم البنية التحتية المدنية بنسبة (90%)، وسيطر على أكثر من (80%) من مساحة القطاع بالاجتياح والنار والتهجير القسري، الذي يعدّ جريمة ضد الإنسانية وضد القانون الدولي.

كما ألقى الاحتلال على مدار عامين من حرب الإبادة أكثر من (200 ألف طن من المتفجرات) على قطاع غزة، ليؤكد أن استهداف المدنيين كان سياسةً ممنهجة لا خطأً عارضاً.

كما ارتكب الاحتلال مجازر بشعة بحق أكثر من (39,000 أسرة)، بينها آلاف الأسر أُبيدت بالكامل أو لم ينجُ منها سوى فردٍ واحد، ليصبح أكثر من (55%) من الشهداء هم من الأطفال والنساء والمسنين.

وفي جرائم استهداف الكوادر الإنسانية والخدمية، فقد استُشهد أكثر من (1,670) من أفراد الطواقم الطبية، و(140) من الدفاع المدني، و(254) صحفياً، وأكثر من (1000) من الدفاع المدني ورجال الشرطة المدنية أثناء عمليات الإنقاذ وتأمين المساعدات أو أداء واجبهم لخدمة شعبنا وأمنه، إضافة إلى استشهاد المئات من موظفي البلديات والعاملين في الإغاثة الإنسانية.

كما دمّر الاحتلال قرابة (300,000 وحدة سكنية) كلياً و(200,000) أخرى بشكل بليغ أو جزئي، ما أدى إلى تهجير نحو (2 مليون) إنسان قسراً، وتكدسهم في خيام مهترئة غير صالحة للعيش، عاشوا فيها ظروفاً قاسية إلى أبعد الحدود.

ووفق التقارير الرسمية، بلغت الخسائر الأولية المباشرة لكافة القطاعات الحيوية أكثر من (70 مليار دولار)، وهو ما يعكس حجم الدمار الشامل والممنهج الذي تعرض له قطاع غزة على مدار عامين كاملين من الإبادة الجماعية.

الحدث المصدر: الحدث
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا