في كشف نوعي أعاد فتح أحد أكثر الملفات دموية في الحرب السورية، وبعد سنوات من الإنكار والاتهامات المتبادلة، أعلنت السلطات السورية الجديدة العثور على بقايا برنامج الأسلحة الكيميائية السري الذي كان يديره الرئيس المخلوع بشار الأسد، بما في ذلك مواد أولية وذخائر مرتبطة بإنتاج غاز السارين المميتة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد، وهو كشف وصفته دمشق بـ"الإنجاز للشعب السوري والعالم".
ويأتي الإعلان بالتزامن مع تحقيقات واسعة شملت اعتقال 18 شخصا يُشتبه بتورطهم في برنامج الأسد للأسلحة الكيميائية، بينهم مسؤولون عسكريون وسياسيون وفنيون كبار.
وقال محمد قطوب، المندوب الدائم ل سوريا لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي، إن السلطات السورية عثرت، بالتعاون مع مفتشي المنظمة، على أكثر من 70 صاروخاً وقنبلة جوية، إضافة إلى مواد خام تدخل في تصنيع غاز السارين، وهو غاز أعصاب ارتبط بهجمات دامية خلال السنوات الماضية، أبرزها مجزرة الغوطة في أغسطس/آب 2013، التي راح ضحيتها أكثر من 1300 شخص، بحسب تقديرات دولية، ومجزرة اللطامنة في مارس/آذار 2017.
وأوضح قطوب أن التحقيقات لا تزال مستمرة، وأن أسماء الموقوفين لم تُعلن بعد "حفاظا على سرية التحقيق"، مشيرا إلى أن بعضهم يحمل رتبة لواء، بينما يخضع 4 منهم على الأقل لعقوبات أوروبية وبريطانية وأمريكية مرتبطة ببرنامج الأسلحة الكيميائية السوري.
وجاءت هذه التصريحات بعد تقرير أصدرته منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، الثلاثاء، أكدت فيه أن فرقها زارت عدة مواقع ذات "أولوية عالية" في شمال ووسط سوريا، وعثرت على "عشرات الذخائر الكيميائية غير المعلنة"، من بينها قنابل جوية وصواريخ، إلى جانب معدات ومواد مرتبطة بإنتاج الأسلحة السامة.
كما كشفت عمليات التفتيش في 3 مواقع عن معدات خلط وتخزين للأسلحة الكيميائية، إضافة إلى مادة "الهيكسامين"، وهي مادة مثبتة سبق أن ربطتها تحقيقات دولية بإنتاج السارين لدى قوات النظام السابق.
وأكد قطوب أن تأمين هذه المواد وتخزينها يمثل خطوة مهمة لحماية "الأمن القومي والعالمي"، مضيفا أن العثور على هذه الذخائر قبل استخدامها "يمنع تكرار الجرائم التي تعرض لها السوريون خلال سنوات الحرب".
من جانبها، قالت بعثة سوريا لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لوكالة "سانا" إن الفرق السورية المختصة بالتعامل مع المواد الخطرة عثرت على ذخائر جوية وصواريخ أرض أرض مماثلة لتلك التي استخدمها النظام السابق في هجمات عامي 2013 و2017، إضافة إلى مواد تدخل في تصنيع غاز السارين، ومعدات للمزج والتخزين، وكميات من مواد أخرى لا تزال قيد التحليل.
وأوضحت البعثة أن جميع المواد والذخائر والمعدات نُقلت إلى مرافق مخصصة لتخزين المواد الكيميائية، مشيرة إلى العثور على 54 قنبلة جوية مشابهة لتلك التي استُخدمت في هجوم اللطامنة عام 2017، و25 قنبلة أرض أرض مماثلة للذخائر التي استُخدمت في هجوم الغوطة الشرقية.
وفي السياق، كشفت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية عن تقديرات تشير إلى وجود ما يزيد عن 100 موقع يُحتمل، أن تكون مرتبطة ببرنامج الأسلحة الكيميائية في سوريا، اكتُشفت عقب انهيار حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد.
وتتجاوز هذه الأرقام بكثير ما كان نظام الأسد قد أقر به في السابق، ويُعتقد أن تلك المواقع تضم منشآت للأبحاث والتصنيع والتخزين، ومرتبطة باستخدام أسلحة، كغاز السارين وغاز الكلور، اللذين استُخدما ضد المعارضة والمدنيين خلال سنوات الحرب التي استمرت أكثر من عقد.
وفي السنوات الأولى من الحرب السورية، اعترفت حكومة الأسد بوجود 27 موقعا كيميائيا فقط، وسمحت للمفتشين الدوليين بزيارتها وإغلاقها، وعلى الرغم من ذلك، استمر استخدام هذه الأسلحة حتى عام 2018، وتظهر الأدلة أن النظام استمر في استيراد المواد الكيميائية الخام اللازمة لتصنيعها.
ويؤكد المراقبون أن توثيق هذه المواقع لا يقتصر فقط على ضمان السلامة، بل له بعد قضائي أيضا، إذ تُسهم الأدلة في دعم التحقيقات الدولية حول الجرائم المرتكبة باستخدام الأسلحة الكيميائية، بما فيها عشرات الهجمات التي أودت بحياة آلاف المدنيين، منهم أطفال.
ويعود تاريخ البرنامج الكيميائي السوري إلى سبعينيات القرن الماضي، حيث بدأ بمساعدة علماء تدربوا في دول أوروبية مثل ألمانيا، وأشرف مركز الدراسات والبحوث العلمية التابع للجيش على تطوير الأسلحة التقليدية والكيميائية والدوائية.
ويأمل المجتمع الدولي أن تُسهم الجهود الحالية في الوصول إلى الحقيقة، وتقديم المسؤولين عن استخدام هذه الأسلحة إلى العدالة.
وكان تحقيق استقصائي بثته قناة الجزيرة ضمن برنامج "المتحري" قد كشف عن معطيات خطيرة تتعلق بملف الأسلحة الكيميائية في سوريا، وذلك استنادا إلى عملية اختراق واسعة لهواتف وشبكات مرتبطة بفلول نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، قبل سقوطه وبعده.
ووثق التحقيق، الذي حمل عنوان "تسريبات فلول الأسد.. الاختراق الكبير"، تسجيلات مسربة عن طريق تنصّت مباشر على هاتف اللواء بسام الحسن، المستشار الأمني للأسد والمسؤول السابق عن ملف الأسلحة الكيميائية، حيث أكد خلال مكالمة موثقة أن قرار استخدام السلاح الكيميائي صدر مباشرة من بشار الأسد.
وبحسب التسجيل، فإن الأسد كلّف بديع علي بالتنسيق مع القوى الجوية بالتعاون مع العميد غسان عباس، مسؤول وحدة الكيمياء، لتنفيذ الهجمات، في إفادة تُعد من أخطر الشهادات التي تربط رأس النظام السابق مباشرة باستخدام الأسلحة الكيميائية خلال أحداث سنوات الثورة السورية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة