في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
طهران- بعد يوم فقط من اختتام الحرس الثوري مناورات بحرية شهدت إغلاقا جزئيا ل مضيق هرمز، أعلنت طهران مناورة بحرية مشتركة بين القوات البحرية الإيرانية والاتحاد الروسي -اليوم الخميس- في بحر عُمان وشمالي المحيط الهندي، مما يضفي عليها أبعادا إستراتيجية تتجاوز الأهداف التدريبية الروتينية.
وعلى وقع تحشيد عسكري أمريكي متزايد، أعلن المتحدث باسم المناورة البحرية المشتركة، الأدميرال حسن مقصودلو، أن تنظيم هذه المناورات، إلى جانب مختلف تدريبات القوات المسلحة الإيرانية، يعكس اهتمام البلدين بالتطورات الجارية في بحر عُمان وشمال المحيط الهندي، ويُظهر التزام الطرفين بتعزيز التعاون البحري و"مواجهة الأحادية".
وتأتي هذه التحركات العسكرية المتلاحقة في توقيت دقيق ومتشابك، حيث تعمّد الحرس الثوري في مناورته تحت شعار "التحكم الذكي بمضيق هرمز" إغلاق المضيق لساعات لأسباب "أمنية" بالتزامن مع الجولة الثانية من المفاوضات بين واشنطن وطهران في جنيف الثلاثاء الماضي، مما يجعل التقارب الزمني بين التصعيد العسكري والحراك الدبلوماسي يحمل رسائل واضحة، وفق مراقبين.
ورأى الباحث في الشؤون العسكرية، محمد مهدي ملكي، أن ما تشهده المياه الخليجية ينم على مشهد معقد يجمع بين المسارات الدبلوماسية والاستعراض العسكري في آن واحد، في رسالة مفادها أن طهران تدخل المفاوضات من موقع قوة، وأن أي تقدم دبلوماسي يجب أن يراعي مصالحها الأمنية والاقتصادية.
واعتبر ملكي -في حديثه للجزيرة نت- تلك المناورات استمرارا للتدريبات التي بدأها الحرس الثوري خلال اليومين الماضيين في مضيق هرمز الإستراتيجي والجزر المحيطة به، وأنها تأتي في سياق تعزيز طهران تحالفاتها الدولية في مواجهة التحشيد العسكري الأمريكي في المنطقة.
وأشار إلى أن مناورات الحرس الثوري شهدت تدشينا لأسلحة حديثة بما فيها صواريخ متطورة و طائرات مُسيّرة في خطوة تهدف إلى رفع القدرات الدفاعية وتعزيز الردع الوطني، مضيفا أن هذا التمرين العسكري من شأنه أن يمنح الدبلوماسية الإيرانية مساحة تفاوضية أوسع، حيث يأتي "مكملا طبيعيا لجهود الدبلوماسية".
وأوضح الباحث ملكي أن المشهد الحالي يعكس تكاملا إستراتيجيا بين المؤسسة العسكرية والدبلوماسية، حيث يسير المساران جنبا إلى جنب لخدمة المصالح الوطنية، مؤكدا أن "الدبلوماسيين يدافعون عن مصالح البلاد في قاعات التفاوض، والقوات المسلحة تؤدي واجبها في الميدان، ليتم تحقيق التوازن المنشود بين المسارين، حتى يتفاوض الدبلوماسيون وهم يتمتعون بظهر قوي وسند عسكري متين، مما يعزز موقفهم التفاوضي".
و إيران -برأيه- لم تدخل المفاوضات بدافع الخوف من الحرب أو تحت وطأة التهديدات، بل انطلاقا من رغبة حقيقية في رفع العقوبات وتحييد المخاطر عن البلاد، وقال إن هذه الرسالة متعددة المستويات تضع واشنطن وحلفاءها أمام اختبار حقيقي: فإما القبول بشراكة تحترم سيادة إيران ومصالحها، أو مواجهة قدرات عسكرية أثبتت تطورها المستمر في الميدان.
من ناحيته، رأى المحلل الإستراتيجي، مجيد سجادي بناه، في المناورات الإيرانية الروسية المشتركة رسالة متعددة الأبعاد تتجاوز الأهداف التدريبية المعلنة، وأن "بتركيزها على أمن ناقلات النفط ومكافحة التهديدات البحرية، تبث رسالة جديدة حول دور إيران المحوري في تأمين تجارة الطاقة بالمنطقة".
وأكد سجادي بناه للجزيرة نت أن الحديث في هذه المناورات يدور حول مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إجمالي استهلاك النفط العالمي وثلث استهلاك الغاز الطبيعي المسال، مضيفا أن هذه المناورات تحمل رسالة مفادها "إذا كان مقررا أن تكون هذه المنطقة غير آمنة بالنسبة لإيران، فيجب أن تكون غير آمنة للعالم أجمع"، حسب قوله.
واعتبر أن "تمرين الحرس الثوري على إغلاق المضيق" مؤخرا، يُشكل ورقة ضغط إستراتيجية في مواجهة أي قوة تحاول عرقلة صادرات النفط الإيرانية، مشيرا إلى أن مشاركة روسيا في المناورات المشتركة مع إيران تأتي في سياق أوسع من التعاون العسكري المتنامي بين البلدين لتشمل ضمان المصالح المشتركة للبلدين.
وأوضح الباحث سجادي بناه أن "تقارير شبه متواترة تشير إلى وصول شحنات تسليح روسية وصينية إلى إيران عقب حرب يونيو/حزيران الماضي، وأن الدولتين لعبتا دورا مهما في تعزيز القدرات العسكرية الإيرانية مؤخرا"، مشددا على أن هذه التحركات ومن ضمنها المناورات المشتركة تندرج في إطار "الشراكة الإستراتيجية المتنامية بين طهران والقوى الشرقية خاصة بعد التصعيد الأخير في المنطقة".
وأكد أن المناورات المشتركة مع روسيا "تظهر تعزيز التعاون العسكري والبحري بين البلدين، وتشدد على التوجه نحو التعددية في مواجهة الأحادية على الساحة الدولية"، وأضاف أن موسكو التي رأت نتائج الأحادية الأمريكية والغربية في غزو العراق وأفغانستان، لا تريد تكرار تلك التجربة في إيران، وتحمل مشاركتها في المناورات على وقع التحشيد العسكري الأمريكي رسالة وقوف إلى جانب طهران.
ولفت إلى أن إيران أجرت في السنوات الأخيرة مناورات مشتركة ليس فقط مع روسيا، بل مع الصين أيضا، مؤكدا أن هذه التدريبات "تؤكد الدور النشط الذي تسعى طهران لتثبيته في معادلة الأمن البحري، خاصة في ظل تحول بحر عُمان وشمال المحيط الهندي إلى بؤر رئيسية للتنافس الجيوبوليتيكي بسبب أهميتهما الاقتصادية ومجال الطاقة، إذ تحاول طهران أن تثبت فيه دورها الفاعل والرادع".
ومن الجهة الأخرى، اعتبر قائد المجموعة البحرية الروسية في المناورات المشتركة، الملازم أول أليكسي سيرغيف، أن مستوى التعاون القائم بين البلدين يؤكد قدرتهما المشتركة على "إدارة وحل العديد من القضايا والتحديات البحرية والساحلية".
وجاءت تصريحات المسؤول العسكري الروسي في مؤتمر صحفي مشترك مع المتحدث باسم المناورة البحرية المشتركة الأدميرال حسن مقصودلو، حيث يُفسّر مراقبون إيرانيون مواقف الضيف الروسي مؤشرا علی متانة العلاقات الدفاعية بين البلدين في مواجهة التحديات الإقليمية.
وفي وقت تشهد فيه المنطقة توترات متصاعدة وحضورا عسكريا أمريكيا مكثفا، أكد سيرغيف استعداد بلاده لتوسيع نطاق التعاون العسكري مع إيران ليشمل "أي منطقة"، مشيرا إلى أن التدريبات المشتركة قد تتضمن عمليات تخصصية مثل "مكافحة الإرهاب البحري"، التي تُنفذ بمشاركة السفن والزوارق الحربية من الجانبين.
وبعد أن دأب الثالوث الشرقي الإيراني والروسي والصيني على إجراء مناورات سنوية مشتركة في بحر عُمان وشمالي المحيط الهندي، رأى مراقبون إيرانيون أن غياب الصين عن نسختها الراهنة يحمل دلالات مهمة حول طبيعة التحالفات القائمة، إذ يعكس إرادة روسية للتعاون العلني مع طهران في هذه المرحلة.
بينما تواصل بكين نهجها المتحفّظ في إعلان الشراكة العسكرية الكاملة مع إيران، على الرغم من استعدادها غير المعلن لتقديم تعاون تقني أكثر عمقا خلف الكواليس، وأن كلاهما يخدم الهدف الإستراتيجي لطهران في تعزيز قدراتها الدفاعية وكسر عزلتها الدولية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة