في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في ذي الحجة من كل عام، تهفو الأرواح إلى البيت العتيق قبل أن تخطو إليه الأقدام، حيث يلبي ملايين المسلمين من شتى أصقاع الأرض نداء قديما بثّه إبراهيم الخليل عليه السلام في آفاق الزمن، وظل صداه يتجدد في وجدان المؤمنين عاما بعد آخر.
ولا يبدو الحج، في هذا المشهد الإيماني المهيب، موسما دينيا عابراً، بل شعيرة جامعة تنطوي على مقاصد ربانية كبرى، وتجمع في نسك واحد ما تفرّق في سائر العبادات من خشوع الصلاة، وبذل الزكاة، ومجاهدة الصيام، إلى مشقة السفر ومفارقة الأهل، في معنى يقترب من الجهاد.
وفي برنامج “أيام الله” الذي تبثه قناة الجزيرة مباشر، تتكشف هذه الشعيرة بوصفها رحلة إيمانية وتربوية ووجدانية، تبدأ من الافتقار إلى الله، وتمر بجهاد النفس وتجديد الإيمان، وتبلغ ذروتها في استحضار الآخرة والاستعداد للقاء الله.
وقد وصف الإمام الغزالي الحج بأنه "عبادة العمر، وآخر الأمر، وتمام الإسلام وكمال الدين"، وهو توصيف يفتح باب السؤال عن سر هذه المنزلة: وما سر ذلك التحول الذي تصنعه هذه الشعيرة في كل من أدّاها بقلب حاضر وروح متجردة؟ وكيف تحمل أيام معدودة كل هذا الثقل الروحي والإيماني؟
يطرح برنامج “أيام الله” سؤالا جوهريا في مستهل حلقاته عن الحج: لماذا فُرضت هذه العبادة مرة واحدة في العمر، بخلاف الصلاة التي تتكرر كل يوم، والصيام الذي يعود كل عام؟ ولا يقف جواب العلماء المشاركين عند الحكمة الفقهية وحدها، بل يذهب إلى أن الحج عبادة استثنائية، لأنها تجمع في داخلها ما تفرّق في سائر العبادات.
ويرى الشيخ أحمد الشنقيطي أن الصلاة على عظيم فضلها لا تتضمن النحر والذبح والطواف، وهي ألوان من التعبد لا تجتمع إلا في الحج. ويستدل على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم واصفاً الحج بأنه "جهاد لا شوكة فيه"، مؤكداً أن الحج ليس انتقالا مكانيا فحسب، بل رحلة مجاهدة للنفس وتحمّل للمشقة وتجرّد من مظاهر الدنيا.
ويحدد الشنقيطي ثلاث دوائر كبرى تتوزع عليها مقاصد الحج، يصعب فصل إحداها عن الأخريتين:
الدائرة الأولى عقدية: وفيها يتجدد معنى التوحيد تجديداً حياً لا نظرياً. فمنذ أن أُمر إبراهيم عليه السلام ببناء البيت جاء الأمر مقروناً بالتوحيد في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ ألَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾. وتتجلى هذه المعاني في التلبية التي يرددها الحجاج: "لبيك لا شريك لك لبيك". كما يتجلى البعد التاريخي للحج بوصفه صلة متجددة بسلسلة الأنبياء، إذ يسير الحاج في مناسكه على خطى إبراهيم وإسماعيل وهاجر والنبي محمد عليهم الصلاة والسلام.
الدائرة الثانية تربوية: وتبرز فيها معاني تعظيم الشعائر وتقوى القلوب وكسر الكبر والصبر والإخلاص، استناداً إلى قوله تعالى: ﴿وَمَن يُعظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
الدائرة الثالثة أممية اجتماعية: وفيها يُقرأ الحج بوصفه مؤتمر الأمة السنوي الكبير. وقد جاء قوله تعالى: ﴿لِيَشهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ ليفتح آفاقاً لمنافع أوسع من المنافع التعبدية وحدها، تشمل الاجتماعي والاقتصادي وشؤون الأمة العامة.
ويرى عدد من العلماء المشاركين في البرنامج أن الأمة، في صعيد واحد، وبلباس واحد، وتلبية واحدة، تملك من أسباب الوحدة ما لا تملكه أمة أخرى، لو أحسنت قراءة هذا الموسم وأدركت ما أودعه الله فيه.
ومن هذا المعنى الجامع للحج، ينتقل البرنامج إلى مقصد مركزي يتجلى في المناسك كلها، وهو الافتقار إلى الله. ففي لحظة ارتداء ملابس الإحرام يتجرد الحاج من مظاهر المكانة والجاه والثروة، ليقف أمام الله مجردا من كل ما أضافته الدنيا إليه.
«اللهمَّ حَجَّةً لا رياءَ فيها ولا سُمعةَ» — الدكتور علي القرداغي
ويستند البرنامج في هذا المعنى إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال عند إحرامه: "اللهمَّ حَجَّةً لا رياءَ فيها ولا سُمعةَ"، ثم أحرم على رحل متواضع وقطيفة لا تساوي درهمين، في مشهد يجسد معنى العبودية الخالصة والتواضع الكامل لله.
ويرى الشنقيطي أن الافتقار لا يظهر في الإحرام وحده، بل يتوزع في كل منسك؛ فالتلبية إعلان دائم بالحاجة إلى الله، والطواف تعلّق في القلب بالله لا بالأحجار، والسعي بين الصفا والمروة تمجيد لليقين برحمة الله. وفي هذا المعنى تبرز قصة هاجر عليها السلام وسعيها بين الصفا والمروة بحثاً عن الماء، بوصفها نموذجاً لحسن الظن بالله واليقين برحمته، وهو ما تجسّد في تفجر ماء زمزم.
وهكذا يعيد الحج بناء معنى العبودية في قلب الحاج؛ فكلما تجرّد القلب في رحاب المناسك من غرور الدنيا، اتسع لمعنى الافتقار، وأصبح أكثر قدرة على تذوق حلاوة الإيمان.
ومن الافتقار إلى الله، ينتقل البرنامج إلى مقصد آخر من مقاصد الحج الكبرى: مجاهدة النفس؛ إذ يتناول الحج بوصفه مدرسة للصبر والتحمل والانضباط وترك المألوف، مستنداً إلى وصف النبي صلى الله عليه وسلم له بأنه "جهاد لا شوكة فيه".
ويرى الدكتور أحمد المحمدي أن الجهاد يبدأ بمجاهدة النفس ثم مجاهدة الشيطان ثم مجاهدة الأعداء ثم مجاهدة المنافقين، مؤكداً أن من رسب في الأولى رسب فيما بعدها جميعاً.
وتتناول الحلقات الإحرام بوصفه أول اختبار عملي لانضباط النفس; فالحاج يقف مع ملايين البشر في هيئة واحدة لا تميز غنيا من فقير، ويُمنع من أشياء كانت مباحة له قبل لحظات، في تدريب على ضبط النفس وترك ما تهواه امتثالاً لأمر الله.
ويُضاف إلى ذلك ما يصفه البرنامج بـ"جهاد التسليم"؛ وهو التسليم الكامل لله في مناسك قد لا يدرك العقل حكمتها التفصيلية من الوهلة الأولى، فضلاً عما يصاحب الحج من مشقة السفر والزحام والانتظار التي تصوغ في الإنسان معنى الصبر والتحمل.
وإذا كان الحج يربّي المسلم على الصبر والتسليم ومجاهدة النفس، فإن أثره لا يقف عند الفرد وحده، بل يمتد إلى أفق أوسع تتجلى فيه وحدة الأمة. ومن هنا يطرح برنامج “أيام الله” سؤالاً مباشراً: كيف تنجح الأمة في الاجتماع كل عام داخل المشاعر المقدسة، بينما تبدو خارجها أكثر تفرقا واضطرابا؟
وتبلغ هذه الوحدة في الحج ذروتها في مشهد عرفة، بوصفه تجسيداً لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُم فَاتَّقُونِ﴾، حيث يقف ملايين المسلمين بلباس واحد ونداء واحد متجاوزين حدود اللغة والعرق والجغرافيا.
"لقاءات العلماء في موسم الحج خلال الاحتلال الصليبي لبيت المقدس أسست لمدارس وحركات أنجبت صلاح الدين الأيوبي." — الدكتور علي القرداغي.
ويرى الدكتور علي القرداغي أن الحج في أصل تشريعه مؤتمر سنوي للأمة يجتمع فيه العلماء والقادة والتجار والعامة، ويستشهد بما أورده ابن كثير من أن لقاءات العلماء في موسم الحج خلال الاحتلال الصليبي لبيت المقدس أسست لمدارس وحركات أنجبت صلاح الدين الأيوبي.
وتستعيد الحلقات خطبة الوداع في عرفة بوصفها ميثاقا إنسانيا جامعا؛ أكد فيها النبي صلى الله عليه وسلم حرمة الدماء والأعراض، وأبطل الربا والثارات الجاهلية، وأوصى بالنساء خيرا، ورسّخ مبدأ الأخوة بين المسلمين. وتخلص إلى أن هذه المبادئ لو وجدت طريقها إلى التطبيق لجعلت الحج نقطة انطلاق متجددة نحو أمة أكثر تماسكا ووحدة.
ومن أفق الأمة ووحدتها، يعود البرنامج إلى تزكية النفس، حيث ترى أن ثمرة الحج تظهر فيما يتركه من زيادة في الإيمان واستقامة في السلوك، استناداً إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدى﴾.
ويقسّم الدكتور أكرم كساب هذا الأثر إلى ثلاثة مستويات:
"التوحيد المُحيَّى": إذ يرى أن الحاج حين يردد "لبيك لا شريك لك لبيك" لا يحرّك بها لسانه فحسب، بل يجدد إعلان التوحيد؛ محبة وطاعة وعبودية لله، في تلبية تجمع توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
تعميق الصلة بالأنبياء: إذ يسير الحاج في الأماكن نفسها التي مرّ بها إبراهيم وإسماعيل وهاجر ومحمد عليهم الصلاة والسلام، مما يصنع حالة وجدانية يشعر فيها المسلم بامتداده داخل ميراث النبوة.
تكفير الذنوب وتجديد الروح: استناداً إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من حجَّ فلم يرفث ولم يفسق رجعَ كيوم ولدته أمه".
ويصف الشيخ نشأت أحمد يوم عرفة بأنه "احتفال كوني" تتنزل فيه الرحمة والمغفرة، ويبلغ فيه معنى التجديد الإيماني ذروته. وتُحدد الحلقات علامة قبول الحج بمعيار واحد: هل ازداد الحاج بعد عودته طاعة وتقوى وصلاحا؟ فالطاعة بعد الطاعة دليل قبول الطاعة الأولى.
ولا ينفصل هذا التجديد الإيماني عن معنى آخر تتبدى صوره في الحج، هو التذكير بالآخرة؛ إذ تجعل بعض المناسك الحاج يعيش صوراً قريبة من معاني الرحيل والحشر والوقوف بين يدي الله.
ويرى الشنقيطي أن أول هذه المشاهد يبدأ مع الإحرام؛ فالحاج حين يخلع ثيابه ويرتدي ملابس الإحرام يستحضر صورة الكفن، ويتجرد وهو حي مما سيتجرد منه قهراً بعد موته. ويلفت الدكتور المحمدي إلى أن المواقيت في الحج ليست حدوداً جغرافية فحسب، بل تحمل دلالات وجودية؛ إذ إن الإنسان في حياته كلها محكوم بمواقيت لا يملك تجاوزها.
أما يوم عرفة فتصفه الحلقات بأنه أكثر مشاهد الحج شبهاً بيوم القيامة؛ إذ يجتمع ملايين البشر في صعيد واحد شعثا غبرا متجردين من الفوارق الدنيوية. ويستشهد الشيخ نشأت أحمد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما مِن يَومٍ أكثَرَ مِن أن يُعتِقَ اللهُ فيه عَبدًا مِنَ النَّارِ مِن يَومِ عَرَفةَ".
ويقرأ الشنقيطي رمي الجمرات بوصفه إعلاناً لعداوة دائمة للشيطان ومعركة مستمرة مع النفس لا تنتهي بانتهاء المناسك. أما طواف الوداع فتتوقف عنده الحلقات بوصفه لحظة رحيل يغادر فيها الحاج مكة بجسده بينما يبقى أثر الرحلة في قلبه وروحه.
وتخلص الحلقات إلى أن الحج المبرور ليس مجرد أداء للمناسك في صورتها الظاهرة، بل تجربة تحول عميقة يعيشها الحاج بقلب حاضر، تُعيد بناء علاقته بالله ونفسه والناس. وهذا هو المعنى الذي لخّصه النبي صلى الله عليه وسلم: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".
المصدر:
الجزيرة