لئن راكم واسيني الأعرج مدونة روائية وقصصية مهمة مثلت علامة فارقة في المشهد السردي المغاربي والعربي عامة، فإن ما ميز هذا التراكم هو تنوعه التيمي والأسلوبي وإصرار صاحبه على المغامرة الفنية.
فقد جرب الكاتب الجزائري كتابة الرواية الحديثة بشكلها الغربي الكلاسيكي، كما جرب الرواية التراسلية وجرب رواية توظيف التراث ورواية محاورة الأدب العالمي وروايات أدب التحري والرواية النهرية والرواية التاريخية ورواية السيرة الغيرية.
ولئن تخصص في وقت ما في كتابة المحن العربية الكبرى كالعشرية السوداء في الجزائر والقضية الفلسطينية والتاريخ العربي الحديث، فإن هناك حضورا خفيا لروح الدعابة يظهر ويختفي عبر روايات في الكوميديا السوداء تأتي من افتتانه الدائم برواية سيرفانتس "دون كيخوته" التي استحضر بطلها ونصها وأجواءها في أكثر من رواية، لعل "حارسة الظلال أو دون كيشوت في الجزائر" أهمها.
يرسم واسيني الأعرج شخصية تتناص تناصا غير معلن مع شخصية دون كيخوته في تلبسها بالوهم، فشخصية دون كيخوته سقطت في ذلك الخبل من فرط قراءتها لقصص الفروسية، وسقط نوفل آل فريد في الوهم من فرط ما طبع من كتب التي تعدت مئة كتاب، وكلاهما أراد أن يغير الواقع.
الأول أراد أن يحارب قوى الشر والتخلف واستعادة الفروسية الحقيقية، والثاني عبر تقويم مسار أكبر جائزة للأدب ودفعها إلى مستحقها الذي ليس سوى هو، وبذلك يصلح واقع المشهد الأدبي.
وكلتا الشخصيتين أجرت تحويرا على اسمها؛ فدون كيخوته دي لا مانتشا كان اسمه الحقيقي ألونسو كيخانو، وحتى يكون جاهزا لخوض مغامرته كان عليه أن يغيره إلى اسم يوحي بالفروسية والنبل، أما نوفل آل فريد فكان عليه أن يكتشف ذلك التشابه الذي يجمع اسمه مع اسم باعث جائزة نوبل ألفريد نوبل لتنطلق المحاكاة الساخرة في الرواية.
تبدأ الحكاية بتآمر الأصدقاء على صديقهم نوفل آل فريد عبر الزج به في لعبة لغوية من خلال تشابه اسمه باسم مؤسس جائزة نوبل ألفريد نوبل، ويوهمه صديقه داود بلجني "المعروف بتعقيداته اللغوية" بأن ذلك التشابه ليس صدفة بل هو علامة ربانية، وأن وجودهم في ذلك الوقت في مقهى "المكتوب (Le destin)" ليس مجرد صدفة أيضا بل قدرا ويجب عليه أن يلتقط الإشارة.
كان نوفل آل فريد يستعد لاستقبال روايته رقم 101 التي عنونها بـ "مارلين مونرو في ضيعتنا" عندما بدأت الأحداث.
لم تكن قصة نوفل آل فريد إلا ذريعة ليتغول واسيني الأعرج في قضايا أخرى ثقافية واجتماعية وتفكيك ما يسميه برهان غليون بـ "مجتمع النخبة" من كتاب وجامعيين
كل شيء كان يقول، حسب رأي صديقه، إنه الجدير بجائزة نوبل للآداب ذلك العام، خاصة أنه سبق وتحصل على كل جوائز المحافظة والبلدية ويجب أن يذهب بعيدا في حلمه ويتوغل في العالمية.
وهكذا تبدأ رحلة مطاردة نوبل مع نوفل آل فريد كما بدأت رحلة دون كيخوته.
يتواطأ أيضا صاحب المطبعة لتحريض الكاتب على ترجمة روايته إلى الإنجليزية لأنه وصل إلى مستوى عالمي ويجب أن يصل أدبه إلى الناس، ليكمل "حظك اليوم" الذي يدمن على قراءته في الجريدة تشكيل أوهامه، فيقول نوفل: "داود بلجني لا ينطق عن الهوى، دوخني وقادني إلى أوهام لم أقترب منها طوال حياتي".
ويشترك مستر سكر عبد النبي وصديقته كنزة ماريا من مؤسسة وهمية للترجمة في الاحتيال عليه وتجريده من ممتلكاته وماله بدعوى مساعدته في تحضير ملف احترافي له لنيل الجائزة.
ومثل دون كيخوته تماما، بدأ الوهم يسيطر على الكاتب حتى رأى نفسه في حلم يتجه نحو منصة التتويج في قصر بستوكهولم رفقة مترجمته لتسلم جائزة نوبل للآداب.
حتى أنه كتب في رسالة الترشح أسباب أحقيته بالجائزة، مشيرا إلى أن الجائزة يجب أن تصحح مسارها وتتوجه إلى العرب من جديد عن طريقه، فذلك حق العرب بسبب ما ألحقته متفجرات ألفريد نوبل بشعوبهم.
“لقد آن الأوان ليدرك العالم الغربي خطأه. لا يمكن أن نظل في حالة الانغلاق هذه على الذات. آن أوان أن يطّلعوا بحقهم من الرجل الذي اخترع المتفجرات، نوبل الفريد، لأن متفجراته أحرقتنا بقوة نحن العرب. اليوم بشكل أكثر البلدان تعرضًا للحروب والإبادة المنظمة. العرب يدفعون ثمن حماقاته. إبداعه الناري سحق الملايين من شعوبنا. لنا الحق في جائزته وماله”.
كان نوفل آل فريد يستعرض كل معلوماته عن نوبل ضمن نقده وفضحه لحساده من الكتاب المحليين الذين سخروا منه وأرادوا رده عن الترشح للجائزة. وكان يلتحق بمجموعة المحرضين له اسم جديد في كل مرة ليؤكد وهمه وضرورة المضي فيه، من داود بلجني اللغوي إلى الزبير بالبحري راعي الشعر العمودي ومربي العجول الذي راح يذكره بمسيرته الحياتية وكيف ضحى بكل شيء من أجل الأدب، وأن ما وصل إليه اليوم طبيعي بعد كل تلك التضحيات.
لم تكن قصة نوفل آل فريد إلا ذريعة ليتغول واسيني الأعرج في قضايا أخرى ثقافية واجتماعية وتفكيك ما يسميه برهان غليون بـ "مجتمع النخبة" من كتاب وجامعيين، كما توغل الكاتب في تشريح واقع المؤسسة الثقافية وثقافة الجائزة واحدة منها وإحكام سيطرة الدولة على منابع الخيال والتفكير، وتوسعت الرواية لمناقشة تحولات الذائقة الأدبية عبر تراجع الشعر العمودي الكلاسيكي مقابل قصيدة النثر.
ويعكس ذلك الانحطاط عبر شخصية الشاعر الذي تحول إلى تهجين العجول الهولندية بالعربية وهو ما يقوم به هو نفسه بترحيل الشخصيات الغربية إلى عالمه من خلال روايته "مارلين مونرو في ضيعتنا".
والحق أن المناخ الثقافي في الرواية لم يكن إلا ذريعة لوصول الروائي إلى مناطق أخطر عبر نقده لدولة ما بعد الاستقلال ومآلات الثورات التي أكلت الشهداء والأحلام لتسقط البلاد من جديد في أيدي عصابات الفساد، فيدور بين نوفل آل فريد وبين موظفة البريد حوار يتحدث عن الخيبة من تلك المآلات وضياع أحلام الشباب وراء وسائل التواصل الاجتماعي.
ـ "صحيح. شاركتُ قبل فترة في ندوة ميراث الثورة بمناسبة يوم الشهيد.
ـ وهل بقي ميراث ثوري؟ أشكرك على تفاؤلك. لقد أكلوه، نهبوه، دمّروه.
ـ يجب ألّا نفقد من رحمة ربي. الشباب ما يزال حيًّا؟ المستقبل ليس مظلمًا.
ـ أيّ شباب يا أستاذ نوفل؟ قالت وهي تلوّح برقبتها لقراءة عنوان الكتاب والاسم. كلّهم مبرمجون وفق التيكتوك والنت، والفيسبوك، المسنجر، سناب شات، واليوم الذكاء الاصطناعي. تبدو طيبًا يا عمّي نوفل. عندك حظّ، أنا عادة أشتغل بالداخل. كيف أخدمك؟".
تفتح الرواية ملفات فساد كثيرة منها التجارة بالعملة وتدمير الاقتصاد الجزائري عبر السوق السوداء وتخريب الأمكنة والتراث المعماري وفساد الموظفين في المؤسسات العمومية
تفتح الرواية ملفات فساد كثيرة منها التجارة بالعملة وتدمير الاقتصاد الجزائري عبر السوق السوداء وتخريب الأمكنة والتراث المعماري وفساد الموظفين في المؤسسات العمومية، وكيف كانوا يصطادون ضحاياهم وتحويل وجهتهم نحو أنشطتهم الموازية كما فعلت تلك الموظفة بالبريد التي قادته إلى مؤسسة "بيتنا" التي تحايلت عليه بعد ذلك واستغلت بساطته وحلمه في الحصول على نوبل.
تقوم الرواية على هذه المفارقات في صناعة الوهم في المشهد الثقافي العربي وإعادة تركيب صورة الكاتب عبر نوفل آل فريد الذي يتلاعب به كل من حوله ويستغله بسبب ارتهانه لحلمه ووهمه بأنه كاتب مهم حتى وصل به الأمر إلى بيع أراضيه لكي يطبع كتبه الكثيرة التي لا يقرأها أحد ولا تشتريها إلا بعض المؤسسات الحكومية المحلية.
سقط الكاتب فريسة للكل وتحول إلى مسخرة يقلبونه ويشكلونه كما يريدون ويوجهونه أينما أرادوا، حتى أجبروه على تغيير ماركة السجائر التي يدخنها لتكون مناسبة لكاتب يترشح لنيل جائزة نوبل، وأخرى تقنعه بترجمة ملفه ورسائله قبل إرسالها، ومطبعي يقنعه بترجمة أعماله للإنجليزية بمقابل ويقترح عليه مترجما ليس له أي خبرة.
كان نوفل آل فريد مثل دون كيخوته عنده كل علامات الفروسية لكنها كلها مضروبة، فحصان دون كيخوته عجوز ومريض وخوذته ودرعه محطمان ورمحه مكسور، كذلك كان نوفل آل فريد يحمل كل علامات الأديب الكبير فقد كتب 101 كتاب ولكن كلها طبعها على حسابه الخاص، وتحصل على جوائز كثيرة لكن كلها من مؤسسات حكومية محلية ويحمل دكتوراه، ولكنها دكتوراه وهمية فخرية من جهة غير معلومة.
يتدرج واسيني الأعرج ببطل روايته نحو كشف فساد المؤسسات الثقافية والجامعية التي كانت تزور في ملف ترشح نوفل آل فريد، والجامعيين الذين كانوا يوقعون على شهادات وهمية للمترشح لا علاقة له بها ليرسم حكاية ديستوبيا من الفساد أصلها مزحة انطلقت في مقهى بين أصدقاء لتنفلت النكتة وتتحول إلى وصمة وتتحول بقعة الضوء إلى سحابة مظلمة يغرق فيها الجميع.
إلا أن ذلك التناظر الذي رسمه واسيني الأعرج بين عالم روايته وعالم دون كيخوته جعله أيضا ينبت في تلك الظلمة حبا يتعزى به نوفل آل فريد مع شميسة التي أحبها والتي تذكر بحبيبة دون كيخوته دولثينا دي تيبوزو.
يلتفت واسيني إلى هذا النوع من الكتابة الساخرة والمرحة ليكتب بها رواية شديدة الجدية، وليؤكد من جديد أن الرواية الحق حتى وإن كانت في ظاهرها تدعي الإضحاك وتلبس قناع التسلية، فإنه بمجرد الانتهاء من قراءتها تتراجع الابتسامة وتحل محلها الأفكار المؤلمة
منذ سنوات حدثني واسيني الأعرج عن هذه القصة في إطار دردشة حول حمى الجوائز وجائزة نوبل، فقد حصلت بالفعل في شكل مزحة ثقيلة بين الأصدقاء في الجزائر، وقد أشار الكاتب إلى الأبطال الحقيقيين للرواية في بداية روايته.
غير أن المعالجة الروائية التي قرأناها كانت مختلفة حيث لم تعتمد الرواية إلا على الفكرة وبعض أحداث القصة الحقيقية ليتوغل واسيني عبر التخييل بعيدا ويستدعي قضايا وأفكار جديدة ما خطرت للأصدقاء في قصتهم الأصلية التي كانت أشبه بما يسمى قصص "الكاميرا الخفية".
وهذه التجربة تعطي فكرة على مطابخ الكتاب وكيف تطبخ الحكايات، فالكاتب يظل طوال حياته يخزن القصص الصغيرة والكبيرة والتي قد تتحول إلى روايات في أي وقت لتحمل معاني أعمق من أصلها، ومن هنا تأتي خطورة الروائي القادر على تطويع ما هو مهمل من اليومي لينتج به ما هو أعمق وأخطر فلا شيء غير مهم ولا شيء يسقط من ذاكرة الروائي.
وكما اعتمد سيرفانتس على أدب الفروسية ليكتب أعظم رواية في تاريخ الأدب وليجهز على أدب الفروسية، التفت إرنستو ساباتو للرواية البوليسية في روايته "النفق" ليكتب أروع رواياته مهشما بنية الرواية البوليسية بالكشف عن الجاني من أول جملة.
يلتفت واسيني إلى هذا النوع من الكتابة الساخرة والمرحة ليكتب بها رواية شديدة الجدية، وليؤكد من جديد أن الرواية الحق حتى وإن كانت في ظاهرها تدعي الإضحاك وتلبس قناع التسلية، فإنه بمجرد الانتهاء من قراءتها تتراجع الابتسامة وتحل محلها الأفكار المؤلمة التي جعلت من رواية دون كيخوته لميغيل دي سيرفانتس رواية خالدة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة