آخر الأخبار

عاملات النظافة في مستشفيات غزة: قصص الصمود والعمل تحت القصف

شارك

في أروقة مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس، تتجلى صورة مغايرة للحرب، حيث لا تقتصر المواجهة على الأطباء والممرضين، بل تمتد لتشمل عاملات النظافة اللواتي تحولن إلى ركيزة أساسية في الخطوط الأمامية للأزمة الصحية. هؤلاء النسوة وجدن أنفسهن في مواجهة مباشرة مع آثار الدمار، يعملن في ظروف قاسية وبإمكانات شبه معدومة، بينما يحملن أعباء النزوح الشخصي وفقدان المعيل وانقطاع الدخل المستمر.

تقول غادة زعرب، وهي إحدى العاملات في المجمع إن طبيعة عملهن تغيرت بشكل جذري خلال سنوات الحرب، حيث لم يعد الدور مقتصراً على الحفاظ على نظافة المكان، بل امتد ليشمل مهاماً متعددة فرضها الواقع المرير. وأوضحت أن العاملات بتن يؤدين أدواراً تشبه مهام رجال الأمن والمراسلين، وصولاً إلى التعامل المباشر مع جثامين الشهداء في ظل الضغط النفسي والعملي غير المسبوق.

تتحدث زعرب بمرارة عن اللحظات التي تداخل فيها الواجب المهني مع الفاجعة الشخصية، حيث كانت تقوم بتكفين الشهداء الذين يصلون تباعاً إلى المستشفى، لتفاجأ في إحدى المرات بوصول ابنها شهيداً بين يديها. ورغم هذا المصاب الجلل، استمرت في أداء رسالتها، مؤكدة اعتزازها بمهنتها التي تصفها بأنها صناعة للجمال وسط ركام الموت والدمار.

المعاناة اليومية لهؤلاء العاملات لا تتوقف عند حدود المستشفى، بل تمتد لتشمل رحلة البحث عن لقمة العيش لعائلاتهن النازحة، حيث تضطر غادة للتوجه إلى نقاط توزيع المساعدات فور انتهاء نوبتها الطويلة. وتؤكد أن الدافع الأساسي لاستمرارهن في العمل رغم تأخر الرواتب لشهور طويلة هو دافع إنساني بحت، يهدف إلى مساندة أبناء شعبهن في أحلك الظروف.

من جانبها، تروي يسرا أبو شاب، التي تعمل في مجمع ناصر منذ عام 2014، كيف أن نقص الكوادر الطبية دفعها وزميلاتها لأداء مهام تتجاوز تخصصاتهن، حيث شاركن في مساعدة الأطباء والتمريض في التعامل مع الجرحى. وتصف يسرا هذا التحول بقولها إن العاملات قمن بمهام شاقة تتطلب قوة بدنية ونفسية هائلة، واصفة إياها بأنها 'شغل الرجال' في ظل غياب البدائل.

وتضيف أبو شاب أن مشاهد الدماء والإصابات البليغة أصبحت جزءاً روتينياً من حياتهن اليومية، لدرجة أن النوم والطعام باتا أموراً ثانوية أمام تدفق المصابين المستمر. وتستذكر بحرقة استشهاد ابنها خلال الحرب، وشعور العجز الذي رافقها لعدم قدرتها على إنقاذه رغم وجودها الدائم داخل أروقة المستشفى وتقديمها المساعدة للآخرين.

في لحظة من اللحظات كنت أكفّن الشهداء، وبعدها جابوا ابني شهيداً إلى نفس المستشفى.

النقص الحاد في المعدات والمستلزمات الطبية لم يستثنِ أدوات التنظيف والتعقيم، حيث كشفت مصادر ميدانية أن العاملات اضطررن لاستخدام أدوات بسيطة من منازلهن أو قطع قماش قديمة لتنظيف الدماء. وفي حالات كثيرة، تم استخدام الملابس الشخصية لمساعدة المصابين أو مسح الأسطح الملوثة، في محاولة يائسة للحفاظ على الحد الأدنى من النظافة ومنع انتشار الأوبئة.

أما نجاة مصلح، العاملة في قسم القلب، فترى أن العمل في المستشفى أصبح وسيلة للتماسك النفسي وتفريغ الطاقة السلبية الناتجة عن مشاهد الأشلاء والإصابات المروعة. وتؤكد نجاة أن الدور الذي يقمن به يمنحهن الشجاعة والقوة، رغم الأثر النفسي العميق الذي تتركه الحرب في نفوسهن، حيث يتقاسمن الضحكات والدموع مع المرضى وذويهم.

وتشير مصلح إلى معضلة أخرى تتمثل في إغلاق المعابر، مما أدى إلى شح كبير في المطهرات والمعقمات الضرورية، لدرجة أن الطواقم كانت تضطر أحياناً لاستخدام المطهرات المحدودة لعلاج جروح المصابين بدلاً من تنظيف الأقسام. هذا الوضع زاد من مخاطر انتقال العدوى داخل المستشفى، وضاعف من التحديات التي تواجهها عاملات النظافة في الحفاظ على بيئة صحية آمنة.

تستمر هذه الجهود غير المرئية في وقت تشير فيه الإحصاءات إلى استشهاد أكثر من 72 ألف فلسطيني وإصابة ما يزيد على 171 ألفاً منذ بداية حرب الإبادة في أكتوبر 2023. ورغم إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، إلا أن الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة أسفرت عن سقوط مئات الشهداء والجرحى الجدد، مما يبقي المستشفيات في حالة استنفار دائم.

إن صمود عاملات النظافة في غزة يمثل حلقة أساسية في سلسلة الاستجابة الطارئة التي تمنع انهيار المنظومة الصحية بالكامل، حيث يقمن بمهام حيوية تضمن استمرارية العمل في غرف العمليات وأقسام الطوارئ. هؤلاء النسوة يثبتن يومياً أن المعركة ضد الموت تتطلب تكاتف جميع الجهود، مهما بدت بسيطة في نظر البعض، إلا أنها جوهرية للبقاء.

وفي ظل الظروف السياسية الراهنة تحت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واستمرار حكومة بنيامين نتنياهو في سياساتها، يبقى القطاع الصحي في غزة يعاني من حصار خانق وتدمير ممنهج. وتظل قصص غادة ويسرا ونجاة شهادة حية على إرادة الحياة التي تتحدى آلة الحرب، وتؤكد أن 'صناع الجمال' هم من يرممون ما تهدمه الصواريخ بجهودهم الصامتة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا