(تعبيرية)

قال "مركز حقوق الإنسان في إيران" إن السلطات الإيرانية صعّدت خلال الأسابيع الأخيرة ضغوطها على الفنانين والكتاب والشعراء والموسيقيين وغيرهم من الشخصيات الثقافية، في حملة شملت الاعتقال والسجن والملاحقة القضائية بسبب أعمال فنية وأدبية، أو نشاط على شبكات التواصل الاجتماعي، أو التعبير السلمي عن الآراء.

وأوضح المركز، ومقره نيويورك، في تقرير نشره، أمس الثلاثاء، أن عدداً من الفنانين والشخصيات الثقافية تعرضوا للاعتقال بصورة تعسفية، أو أبقوا قيد الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، أو أخضعوا للملاحقة والمحاكمة، في ظل منظومة قضائية يمكن أن تقود فيها الاتهامات الأمنية والاحتجاز المطول والاعترافات القسرية والمحاكمات الصورية إلى "عواقب كارثية" على المتهمين.

وأكد التقرير أن الضغوط تبدو أشد وطأة على الفنانين والناشطين الثقافيين المنتمين إلى جماعات عرقية مختلفة في إيران، وبينهم العرب الأهوازيون والأكراد واللور، مشيراً إلى أن بعض الأشخاص اعتُقلوا بسبب أعمال حصلت أصلاً على تراخيص رسمية. كما أشار إلى اقتحام قوات أمنية منازل أشخاص من دون أوامر قضائية في بعض الحالات، واقتادتهم إلى أماكن مجهولة.

وقال أسفنديار آبان، مدير الأبحاث في "مركز حقوق الإنسان في إيران"، الذي كان يعرف سابقاً باسم "الحملة الدولية لحقوق الإنسان في إيران"، إن هذه الاعتقالات يجب النظر إليها باعتبارها جزءاً من "حملة أوسع وشديدة العنف للقمع في إيران"، هدفها إسكات المعارضة وبث الخوف في المجتمع بأسره.

وأضاف أن الفنان أو الشاعر أو الناشط الثقافي عندما يعتقل بسبب أغنية أو قصيدة أو لوحة، فإنه يدخل منظومة قضائية يمكن أن تتحول فيها الاتهامات الأمنية إلى تعذيب واعترافات قسرية ومحاكمات صورية وأحكام بالسجن لسنوات، وفي بعض الحالات إلى عقوبة الإعدام.

وأشار آبان إلى أن النشاط الثقافي بالنسبة إلى أفراد المجتمعات العرقية المهمشة في إيران يمثل في كثير من الأحيان وسيلة للحديث عن التمييز والفقر والمشكلات التي تواجه مجتمعاتهم، مضيفاً أن السلطات الإيرانية "تعرف ذلك"، وتسعى، بالتزامن مع تصعيد تعاملها مع مظاهر المعارضة إلى إغلاق القنوات السلمية للتعبير عن الاستياء.

عندما يتحول العمل الفني إلى "دليل جريمة"

قال "مركز حقوق الإنسان في إيران" إن مراجعة ملفات فنانين من مجالات مختلفة تظهر أن السلطات الإيرانية جرّمت النشاط والتعبير الفني والثقافي، وأن المحاكم تستخدم الأغاني والقصائد والكتب واللوحات بوصفها "أدلة" في ملفات أمنية.

وأكد المركز أن الحصول على ترخيص رسمي لا يوفر حماية للفنانين من الأجهزة الأمنية، موضحاً أن أشخاصاً حصلوا على تراخيص من وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي تعرضوا أيضاً للاستهداف من مؤسسات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.

وبحسب التقرير، يمكن أن تؤدي الأنشطة الأدبية والفنية في إيران إلى عقوبات تشمل السجن والجلد والمنع من مغادرة البلاد والحرمان من ممارسة النشاط الفني. كما أن حملة التضييق لا تقتصر على الفنانين المعروفين، بل تطال مجموعات أدبية صغيرة ونوادي الكتب والمنتديات الشعرية والموسيقية والناشطين في مجال الترويج للغات الأم غير الفارسية وغيرها من الأنشطة الثقافية المحلية.

وأشار المركز كذلك إلى أن الفنانات وغيرهن من الشخصيات الثقافية يواجهن ملاحقات جنائية بسبب مخالفة القيود المفروضة على أساس النوع الاجتماعي، بما في ذلك القواعد المتعلقة بالحجاب الإلزامي وغناء النساء.

وقال آبان إن السلطات الإيرانية "أظهرت مراراً كيف يمكن لملف سياسي أو ثقافي أن يتحول إلى ملف يتعلق بالأمن القومي"، داعياً المجتمع الدولي إلى التحرك قبل أن يواجه المعتقلون اعترافات قسرية وأحكاماً تصدر إثر محاكمات صورية.

وطالب "مركز حقوق الإنسان في إيران" الحكومات وهيئات الأمم المتحدة بالمطالبة بالإفراج الفوري عن الأشخاص المسجونين بسبب ممارسة حقهم في حرية التعبير، ومتابعة أوضاع المعتقلين وأماكن احتجازهم، وإثارة ملفات محددة بصورة مباشرة مع السلطات الإيرانية.

كما دعا المركز إلى إدراج المخاوف المتعلقة بحقوق الإنسان في جميع الحوارات الثنائية مع إيران، وفرض عقوبات محددة على المسؤولين المتورطين في الاعتقالات التعسفية وقمع حرية التعبير، إضافة إلى وضع حد للعقوبات البدنية، بما فيها الجلد.

اعتقالات في مدن الأهواز وملفات مرتبطة بأغنية عربية مرخصة

وقال المركز إن الأسابيع الأخيرة شهدت اعتقال عدد من الناشطين الثقافيين في مدن مختلفة من إقليم الأهواز على يد جهاز استخبارات الحرس الثوري الإيراني، فيما استُدعي آخرون من قبل السلطات القضائية، بينما لا يزال مصير وأماكن احتجاز بعض المعتقلين مجهولين.

وتشير المعلومات التي جمعها المركز إلى أن عدداً من هؤلاء الناشطين والفنانين اعتقلوا في إطار ملف مشترك يتعلق بإنتاج أغنية ونشرها على موقع يوتيوب، رغم حصول العمل على ترخيص رسمي.

واعتُقل مهدي الناصري، رئيس "جمعية الشعر العربي" في مدينة السوس شمالي الأهواز، والناشط الثقافي عارف الناصري، على خلفية أغنية "من كارون إلى شجرة الزيتون"، التي أنتجت بترخيص من دائرة الثقافة والإرشاد الإسلامي في الأهواز.

كما استُدعي المغنيان العربيان حسين الأهوازي ومهدي الزائري وتعرضا للتهديد، فيما اعتُقل محمد الكعبي، المعروف باسم "أبو إدريس"، ومهدي الخالدي وهو مخرج وناشط ثقافي عربي من مدينة تستر، على خلفية الملف نفسه.

وكانت تقارير حقوقية قد أفادت بأن مهدي الناصري اعتُقل في الأهواز في 8 سبتمبر (أيلول) 2026، ثم اعتُقل عارف الناصري بعد أربعة أيام، في 12 سبتمبر (أيلول)، عقب تفتيش منزله في مدينة الفلاحية جنوبي الأهواز، بينما طالت الاعتقالات والاستدعاءات أشخاصاً آخرين مرتبطين بالعمل الفني نفسه.

وأشار التقرير أيضاً إلى اعتقال أسد الحلفي، وهو ناشط ثقافي عربي يبلغ من العمر 37 عاماً، بعد مداهمة منزله في حي غل دشت بمدينة الأهواز واقتياده إلى مكان مجهول.

وبحسب "منظمة حقوق الإنسان الأهوازية"، دخل عناصر استخبارات الحرس الثوري منزل الحلفي نحو الساعة الرابعة فجراً من دون إبراز مذكرة قضائية، وفتشوا المنزل وصادروا عدداً من ممتلكاته الشخصية. وحتى وقت نشر المعلومات، لم تقدم السلطات تفسيراً بشأن أسباب اعتقاله أو التهم الموجهة إليه أو مكان احتجازه.

أحكام بالسجن بسبب الكتابة والفن وشبكات التواصل

ومن بين الملفات التي أوردها التقرير، الحكم الغيابي على الشاعر والكاتب نيما صفار، من مدينة جرجان شمال شرقي إيران، بالسجن أربع سنوات وثمانية أشهر من جانب الفرع الأول للمحكمة الثورية في بندر عباس.

كما استُدعي الشاعر والمترجم وحيد علي زاده رزازی لتنفيذ حكم بالسجن 75 يوماً في سجن طهران الكبرى، فيما حكمت المحكمة نفسها على الكاتب روزبه غیلاسيان، من جرجان، بالسجن أربع سنوات وثمانية أشهر. وتضمنت الملفات المرفوعة ضد صفار نشاطه على شبكات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك متابعة بعض الصفحات والإعجاب بمنشورات، بينما استند ملف غیلاسيان، من بين أمور أخرى، إلى إدارته قناة على تليغرام تضم نحو مئة عضو ونشر بعض كتبه وكتاباته.

كما أشار التقرير إلى اعتقال يوسف رحيمي، الناشط الأدبي والثقافي ورئيس "الجمعية الثقافية والأدبية الكردية" (ههجه) في بانه، وقال إن عناصر وزارة الاستخبارات اعتقلته في الشارع من دون أمر قضائي. ولا تتوفر حتى وقت نشر التقرير معلومات عن التهم الموجهة إليه أو مكان احتجازه.

وحُكم على رحيم مولائيان، وهو رسام ونحات يبلغ من العمر 66 عاماً من بابُل شمالي إيران، بالسجن ستة أشهر. وقال المركز إن لوحاته ومنشوراته الانتقادية على إنستغرام كانت من بين الأدلة التي استند إليها الملف القضائي.

وفي أحدث الملفات المتعلقة بالفنانين، أكدت محكمة الاستئناف في محافظة قم حكماً يقضي بجلد المغنية برستو أحمدي وثمانية من أعضاء فريق الإنتاج والعازفين المشاركين معها 74 جلدة لكل منهم، إلى جانب منعهم من مغادرة إيران لمدة عامين وحرمانهم من النشاط الفني لمدة عامين.

ويعود ملف أحمدي إلى تنفيذ عمل فني نشرته عبر الإنترنت في ديسمبر (كانون الأول) 2024، ظهرت فيه وهي تغني من دون الحجاب إلى جانب عدد من الموسيقيين الرجال. وكانت المحكمة قد أصدرت في المرحلة الابتدائية الأحكام نفسها، قبل أن تؤكدها محكمة الاستئناف في 25 سبتمبر (أيلول) 2026، ليصبح الحكم نهائياً وقابلاً للتنفيذ.

كما ورد اسم شيدا صابري، الفنانة اللورية من ياسوج والمقيمة في شيراز، في التقرير. وكانت قد اعتُقلت في 20 سبتمبر (أيلول) 2026 ونقلت إلى سجن عادل آباد في شيراز، فيما لم تكن السلطات قد أعلنت حتى وقت نشر التقرير سبب اعتقالها أو التهم الموجهة إليها.

وأكد "مركز حقوق الإنسان في إيران" في ختام تقريره أن أسباب الاعتقال أو التهم الموجهة إلى الأشخاص لا تعلن في كثير من هذه الملفات، بينما تتحول الأعمال الفنية والكتابات والنشاط على شبكات التواصل الاجتماعي في حالات أخرى إلى أساس مباشر لفتح ملفات قضائية ضد أصحابها، بما يعكس اتساع نطاق استخدام النشاط الثقافي والفني في القضايا الأمنية والقضائية في إيران.