"إف-16 بلوك 72" ترسم ملامح جيل جديد من القوة الجوية الملكية المغربية
قرأ خبيران مغربيان في الشؤون العسكرية والاستراتيجية نجاح أول رحلة تجريبية لمقاتلة من طراز “إف-16 بلوك 72” مخصصة للقوات المسلحة الملكية المغربية، أجريت الثلاثاء، باعتباره مؤشرا على نقلة نوعية في تحديث القدرات القتالية الجوية للمغرب.
وفيما ركز عبد الرحمان مكاوي، الخبير في الشؤون العسكرية، على “القدرات القتالية والتقنية للطائرة وتكاملها مع منظومات الضرب الأرضية”، وعلى مسار تحديث الجيش المغربي الذي يتم “بهدوء وبدون ضجيج إعلامي”، شدد هشام معتضد، الباحث في الشؤون الاستراتيجية، على أن “قيمة النقلة تكمن في الانتقال من منطق المنصة إلى منطق الشبكة، وفي أبعاد الردع والعمليات متعددة المجالات والاستدامة عبر الصيانة المحلية”.
قوة قتالية وتقنية عالية
قال عبد الرحمان مكاوي، أستاذ جامعي خبير في الشؤون العسكرية والأمنية، إن “أحدث مقاتلات إف-16 تتوفر على قوة قتالية كبيرة، وإن المنظومة الرادارية والإلكترونية التي تحملها تتيح لها رصد المخاطر من مسافات بعيدة، أو مهاجمة الأهداف على مسافات تتراوح، حسب تقديره، بين 80 و150 كيلومترا”.
وأكد مكاوي، في تصريح لجريدة هسبريس، أن هذه التقنيات الإلكترونية هي التي تمنح “إف-16 بلوك 72” امتيازاتها، سواء على مستوى الردع أو القدرة القتالية.
وأوضح الخبير في الشؤون العسكرية والأمنية أن النسخة الجديدة هي التي طلبتها القوات المسلحة الملكية من الجانب الأمريكي والشركة المصنعة، مع إضافة امتيازات تقنية تجعل الطائرة، حسب تعبيره، “في مستوى تقريبا” الطائرة الروسية “سوخوي 57″، من حيث السرعة ورصد الأهداف والمخاطر والأسلحة المدمجة فيها، لافتا إلى أن “المنظومة الإلكترونية هي العنصر الأهم في هذه الصفقة”.
وأشار الأستاذ الجامعي إلى أن “المنظومة الإلكترونية المحمولة تفوق في ثمنها قيمة هيكل الطائرة بعجلاتها ومكوناتها”، موضحا أن كلفة هذه التجهيزات تعكس الثقل المتزايد للإلكترونيات والرادارات في تحديد قدرات المقاتلات الحديثة.
وبخصوص تزامن ذلك مع حصول المغرب على منظومة الضرب الدقيق “هيمارس”، أكد مكاوي أن “الأسلحة تتكامل فيما بينها، سواء الطيران أو الصواريخ”، إلى جانب “الأقمار الصناعية الموجَّهة”، بما من شأنه أن يعيد رسم مفهوم العمليات المشتركة والجاهزية القتالية مستقبلا.
وأضاف المتحدث ذاته أن المغرب يسير في هذا المسار “بدون ضجيج إعلامي”، وهو ضجيج تستغله، وفق قوله، بعض الأوساط اليمينية المتطرفة في إسبانيا وجهات في النظام العسكري الجزائري.
وذكّر بأن الملك محمدا السادس جعل، منذ اعتلائه العرش، من تحديث القوات المسلحة الملكية وتحويلها إلى جيش احترافي ورشا ممتدا على مدى أكثر من 25 سنة، بهدف بلوغ مستويات متقدمة من الجاهزية والتنظيم والتجهيز.
وخلص مكاوي إلى أن “المغرب أصبح، بلا استعراض للعضلات، يملك قوة ضاربة لحماية أمنه القومي وحدوده ضد كل المخاطر والتحديات”.
من منطق المنصة إلى منطق الشبكة
من جانبه، اعتبر هشام معتضد، الباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمن الإقليمي، أن “نجاح أول تحليق تجريبي لا ينبغي قياسه بإضافة طائرة أكثر تطورا إلى الأسطول، وإنما بقدرته على تغيير هندسة القوة نفسها”.
وأوضح معتضد، في تصريح لهسبريس، أن القيمة العملياتية للجيل الجديد تكمن في الانتقال من منطق المنصة إلى منطق الشبكة، عبر مستشعرات أكثر تقدما وإلكترونيات طيران حديثة وقدرة أعلى على بناء الوعي بالمجال العملياتي وتحويل المعلومة بسرعة إلى قرار.
وأضاف أن القتال الجوي الحديث لم يعد يجعل التفوق مرتبطا فقط بعدد المنصات، وإنما بقدرة القوات على اختصار سلسلة الكشف والتصنيف واتخاذ القرار والاشتباك.
وأكد الباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمن الإقليمي أن “الردع الناتج عن ذلك لا يقوم على الطائرة منفردة، وإنما على عدم اليقين الذي تفرضه المنظومة على حسابات الخصم المحتمل”، موضحا أنه كلما تحسنت قدرة القوات الجوية على اكتشاف التهديدات مبكرا وتبادل البيانات وإدارة المجال الجوي، ارتفعت كلفة أي محاولة لاختبار الدفاعات المغربية.
وأضاف أن الردع الفعال، في نظره، “ليس وعدا باستخدام القوة، وإنما إقناع الطرف الآخر مسبقا بأن فرص تحقيق مكسب عسكري سريع ستقل، وأن كلفة التصعيد سترتفع”.
وعن ربط القوة الجوية بمنظومات النيران الدقيقة بعيدة المدى ووسائل الاستطلاع والقيادة والسيطرة والدفاع الجوي، قال معتضد إن ذلك ينقل الحديث إلى “مستوى العمليات متعددة المجالات”.
وأوضح أن منظومة “هيمارس” لا ينبغي النظر إليها كقطعة مدفعية مستقلة، كما لا ينبغي اختزال “إف-16” في دور المقاتلة فقط، إذ تظهر القيمة الحقيقية عندما تعمل المستشعرات والمنصات الجوية والعناصر الأرضية ومراكز القيادة ضمن صورة عملياتية مشتركة.
وأضاف أن التطوير ينتقل، في هذه الحالة، من مجرد تجميع الأسلحة إلى تركيب القدرات، معتبرا أن الفارق بينهما هو الفارق بين جيش يمتلك التكنولوجيا وجيش يستطيع إنتاج أثر عملياتي متكامل منها.
ولفت معتضد إلى أن “العنصر الأكثر استراتيجية قد يوجد خلف خط القتال”، ويتمثل في الاستدامة، موضحا أن القوة الجوية التي تعتمد بصورة مفرطة على الخارج في الصيانة الثقيلة وقطع الغيار والدعم التقني تبقى معرضة لاختناقات قد تؤثر في جاهزيتها.
واعتبر الباحث أن مشروع “صيانة الطيران المغربية” ببنسليمان، الذي بدأ ببناء حظيرة تتجاوز مساحتها ثمانية آلاف متر مربع، مع التخطيط لتوسيع قدراته مستقبلا لتشمل مقاتلات “إف-16″، يضيف “بعدا سياديا” إلى عملية التحديث.
وأوضح أن الصيانة والإصلاح محليا يعنيان تقليص زمن إعادة الطائرة إلى الخدمة، وتراكم المعرفة التقنية، وبناء رأسمال بشري متخصص، ورفع القدرة على الحفاظ على الجاهزية خلال الأزمات الممتدة.
وخلص هشام معتضد إلى أن المعيار الحقيقي لنجاح هذه النقلة لن يكون عدد المقاتلات الجديدة، وإنما مقدار الترابط والسيادة والجاهزية التي ستنتجها، مضيفا أنه إذا اكتملت هذه الحلقات فلن تكون “إف-16 بلوك 72” مجرد تعزيز للقوات الجوية الملكية، وإنما “عقدة مركزية داخل بنية ردع أوسع”، باعتبار أن القوة العسكرية الأكثر نضجا هي التي تستطيع رؤية منظومتها كوحدة واحدة وتشغيلها وإدامتها على هذا الأساس.