في مطار نيروبي الدولي، لم تكن الشحنة المضبوطة هذا العام من العاج أو قرون وحيد القرن كما اعتادت سلطات الحياة البرية في كينيا، بل كانت نحو 2000 نملة صغيرة حاول مهربون نقلها خارج البلاد، في حلقة جديدة من نمط آخذ في التوسع داخل الجريمة المنظمة "تهريب الحشرات".
كانت السلطات الكينية قد حذرت العام الماضي من تزايد الطلب على "نمل الحدائق" في أوروبا وآسيا، لكن تحذيراتها عادت إلى الواجهة بعد هذه القضية، وقبلها بأشهر فقط أصدرت محكمة كينية أحكاما بحق أربعة متهمين أدينوا بمحاولة تهريب أكثر من 5 آلاف نملة خارج البلاد. واعتبرت المحكمة ما جرى انتهاكا لقانون حماية الحياة البرية والحفاظ عليها الصادر عام 2013، وقضت بتغريم المتهمين نحو 7700 دولار أو الحبس لمدة 12 شهرا.
يقول الباحث إيليوت دورنبوس، المتخصص في علم الجريمة بجامعة نوتنغهام ترنت البريطانية، إن جرائم تهريب الحياة البرية ارتبطت لسنوات بصور معروفة مثل عاج الأفيال وقرون حيوانات وحيد القرن وفراء النمور، "لكن اللافقريات مثل النمل والعناكب والعقارب انضمت في الآونة الأخيرة إلى قائمة البضائع المفضلة لدى المهربين".
ورغم غياب أرقام دقيقة عن حجم هذه التجارة غير المشروعة، فإن التقديرات تشير إلى أن سوق الحشرات المشروعة قد يصل إلى نحو 17.9 مليار دولار بحلول عام 2033، مما يعكس حجم الإقبال المتزايد عليها، سواء للاستخدام في الأبحاث العلمية، أو كغذاء، أو حتى كهواية لتربية الحشرات بوصفها "حيوانات أليفة" غير تقليدية.
في مقال نشره موقع "ذا كونفرسيشن" (The Conversation) المعني بالأبحاث العلمية، يوضح دورنبوس أن إحباط محاولة تهريب النمل في كينيا لا يكشف فقط عن الطلب المتزايد على هذه الأنواع، بل يلمح أيضا إلى وجود أسواق خارجية مرتبطة بشبكات تهريب عابرة للحدود. وتشير التحقيقات إلى أن هدف المهربين من نقل النمل الكيني كان بيعه كحيوانات أليفة لهواة تربية المستعمرات الحشرية، في سياق أوسع لتجارة الحيوانات الأليفة النادرة التي تشمل أيضا الزواحف والطيور.
قضايا أخرى سجلت أهدافا مشابهة، مثل محاولات تهريب خنفساء وحيد القرن إلى اليابان أو حشرة فرس النبي (السرعوف) إلى دول أوروبية، في سوق يبحث عن كل ما هو "نادر وصغير" في آن واحد.
طرق تهريب الحشرات تشبه، إلى حد كبير، أساليب تهريب الحيوانات والطيور الأخرى. فقد ضبط أحد المهربين وهو يحاول نقل حشرات "نمل الرصاص" وعناكب الرتيلاء من بيرو داخل حقائب بلاستيكية لفها حول جسده، وفي قضية أخرى أخفي بيض السرعوف داخل لعب أطفال، وخنافس وحيد القرن داخل عبوات طعام.
ويشير المتخصصون إلى أن المهربين قد يحاولون تهريب أعداد كبيرة من هذه الكائنات لتعويض ما قد ينفق منها أثناء الرحلة وضمان تحقيق هامش الربح المطلوب.
إلى جانب الحيل الميدانية، تزيد التعقيدات القانونية من صعوبة المواجهة، فبعض الأنواع تتاجر بها بصورة مشروعة، مما يدفع بعض المهربين إلى خلط الأنواع الممنوعة بالفصائل المسموح بتداولها لتفادي الرقابة. كما يواجه مسؤولو إنفاذ القانون صعوبات في التمييز بين الأنواع المحمية وتلك التي يسمح بتصديرها، وهو ما يستدعي برامج تدريب وتحديثا للأطر القانونية المتعلقة بنقل الحشرات وبيعها.
ويرى دورنبوس أن الاتجار بالحشرات لا يحتل دائما موقعا متقدمًا في أولويات مكافحة الجريمة، بسبب الضغط على الموارد الأمنية، لكن تسليط الضوء إعلاميا على قضايا مثل تهريب 2000 نملة من نيروبي يمكن أن يساهم في رفع الوعي العام بخطورة إدخال هذه الكائنات الصغيرة إلى دائرة الجريمة المنظمة، ويدفع باتجاه تشديد الإجراءات لحماية الأنواع المهددة قبل أن تختفي بصمت من بيئاتها الطبيعية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة