على شاطئ رفح جنوبي قطاع غزة، يطغى هدير الموج على ما عداه لكن صوتا واحدا يعلو فيكسر ضجيج البحر والحرب معا. صياد فلسطيني ينحني على مركبه المثقب بشظايا قذيفة إسرائيلية وفي اللحظة نفسها يرفع رأسه للبحر مرددا "هدّي يا بحر هدي، طولنا في غيبتنا".
اللقطة التي وثقها الصحفي الفلسطيني ربيع أبو نقيرة وبثها عبر إنستغرام اليوم الأربعاء من بحر رفح، تبدو للوهلة الأولى مشهدا عابرا من الحياة اليومية في غزة المحاصَرة، لكنها سرعان ما تتحول إلى ما يشبه نشيدا صغيرا للصمود تختلط فيه رائحة الملح بصوت الغناء، ووجع الخسارة بإصرار الحياة.
الصياد الذي يجثو على الرمل يداوي جراح مركبه الخشبي بيديه العاريتين، ظهر وهو يمرر أصابعه على مواضع الشظايا كما لو أنه يتحسس جرحا في جسده هو، ثم يعود ليغنّي.
الأغنية التي يصدح بها الصياد ليست جديدة على الوجدان الفلسطيني فهي من أشهر ما ارتبط باسم شاعر الثورة الفلسطينية المعروف نضاليا باسم إبراهيم محمد صالح، وشعريا وفنيا بـ" أبو عرب"، وفيها يخاطب البحر ككائن حي يُرجى ويعاتب ويستنهض.
والبحر في غزة مصدر رزق لعشرات آلاف الصيادين لكنه محاط دائما بخطوط وهمية من المنع والمطاردة العسكرية، وكلما اتسع مدى القصف ضاقت مساحة العمل حتى صار الصياد الفلسطيني يقيس يومه بين مد البحر وجزر القرار العسكري الإسرائيلي.
المركب الذي يحاول الصياد إصلاحه في فيديو رفح ليس مجرد وسيلة عمل تضررت إنه لقمة العيش وذاكرة العائلة وميراث آباء وأجداد عاشوا على صيد السمك قبل أن يصبح البحر نفسه مهددا بالبارود والقذائف، وحين تخترق الشظايا بدن المركب فإنها لا تمزق الخشب وحده، بل تمس الاستقرار الهشّ لعائلة تنتظر على البر ثمن الحمولة القادمة.
ومع ذلك، لا يختار الرجل الصمت أو الصراخ، بل يختار أن يغنّي.
المصدر:
الجزيرة