لم تكن الدقيقة 98 في ملعب "دا لوز" مجرد لحظة في مباراة كرة قدم، بل كانت إعلانا عن ولادة بطل أسطوري خرج من رماد الحرب ليزلزل أركان عملاق أوروبا ريال مدريد الإسباني.
أناتولي تروبين، الحارس الأوكراني الشاب، لم يكتفِ بالذود عن شباكه أمام النادي الملكي، بل تقمص دور "الهداف" ليمنح بنفيكا تأهلاً درامياً سيظل محفوراً في ذاكرة دوري أبطال أوروبا.
في ليلة شهدت فوز بنفيكا المثير 4-2، كان فريق المدرب جوزيه مورينيو بحاجة ماسة لهذا الهدف الرابع لضمان العبور إلى الأدوار الإقصائية.
ومع وصول المباراة لأنفاسها الأخيرة، تقدم تروبين (24 عاماً) للمنطقة المحرمة في محاولة يائسة، ليرتقي فوق الجميع مستقبلاً عرضية "فريدريك أورسنيس" المتقنة، ويسكنها شباك تيبو كورتوا، محققا ما عجز عنه المهاجمون، وليصبح خامس حارس مرمى فقط في تاريخ البطولة يسجل هدفاً.
خلف هذا التألق الرياضي، تختبئ ندوب حرب لم تنتهِ. تروبين الذي أطاح بـ"لوس بلانكوس" من المراكز الثمانية الأولى، هو نفسه الطفل الذي اضطر للفرار من منزله في دونيتسك عام 2014 وهو في الثالثة عشرة من عمره. رحلة النزوح تكررت في 2022 مع الغزو الروسي الشامل، ليتحول اللاعب إلى لاجئ في وطنه مرتين، متنقلاً بين كييف ولوتسك.
يقول تروبين عن تلك التجربة القاسية: "هذا الوضع ساعدني على النضج ذهنياً بشكل أسرع. ربما كان هذا هو السر وراء تقدمي السريع في الملاعب". وبكلمات ملؤها الحسرة على مدينته، يضيف: "دونيتسك كانت مدينة الورود، ولا يمكنها أن تزدهر إلا كمدينة أوكرانية.. بالنسبة لي، روسيا لم تعد موجودة كدولة، والجراح ستحتاج وقتاً طويلاً لتلتئم".
بعد مسيرة مميزة مع شاختار دونيتسك خاض خلالها 94 مباراة، انتقل تروبين إلى بنفيكا في 2023 ليصبح ركيزة أساسية للفريق البرتغالي بمشاركته في 132 مباراة حتى الآن. لكن هدف ليلة الأربعاء يرفع أسهم الحارس الأوكراني إلى عنان السماء، ليس فقط لكونه هدفاً حاسماً، بل لأنه جاء في مرمى كورتوا، الرجل الذي طالما وُضع تروبين في مقارنة معه منذ بداية العقد.
اليوم، لا يحتفل بنفيكا فقط بالتأهل، بل يحتفي بقصة صمود بطلها حارس مرمى رفض أن تكسره الحرب، فاختار أن يكتب نهاية سعيدة لمأساة بدأت منذ الطفولة، واضعاً بصمته في كتاب أساطير "الساحرة المستديرة".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة