منذ أن أطلق عالم الفلك الأمريكي "فرانك دريك" أول تجربة علمية للبحث عن إشارات راديوية من حضارات ذكية عام 1960، ظل الاعتقاد السائد أن العلماء لم يفحصوا سوى نسبة ضئيلة جدا من نجوم مجرتنا، التي تضم نحو 100 مليار نجم. وكان هذا التقدير يُستخدم دائما لتفسير غياب أي دليل على وجود حضارات خارج الأرض.
لكن دراسة حديثة ترى أن الواقع قد يكون مختلفا، إذ تشير إلى أن برامج البحث عن ذكاء خارج الأرض "سيتي" (SETI) ربما رصدت عددا من النجوم يفوق التقديرات السابقة بعشرات المرات، من دون أن يدرك الباحثون ذلك.
وتقود الدراسة "لويزا ماسون"، الباحثة في جامعة مانشستر، التي أعادت تقييم البيانات التاريخية للرصد الراديوي باستخدام نموذج متطور لمحاكاة توزيع النجوم في مجرة درب التبانة.
اعتمدت "ماسون" على نموذج "بيسانسون" للمجرة، وهو نموذج حاسوبي علمي يحاكي البنية الكاملة لمجرة درب التبانة، ويتنبأ بتوزيع النجوم وخصائصها في أي اتجاه من السماء، ثم قارنته ببيانات عمليات الرصد التي أجراها تلسكوبا "غرين بانك" في الولايات المتحدة و"باركس" في أستراليا.
وكانت الحسابات التقليدية تشير إلى أن هذه المشاهدات، وعددها 1327 عملية رصد، شملت نحو 288 ألف نجم فقط اعتمادا على فهارس النجوم المعروفة. لكن النموذج الجديد كشف أن التلسكوبات كانت في الواقع تستقبل إشارات قادمة من أكثر من 6.1 ملايين نجم، لأن مجال رؤية التلسكوب يشمل أيضا عددا هائلا من النجوم الخافتة التي لا تظهر في الفهارس البصرية التقليدية.
وقالت "لويزا ماسون" في بيان صحفي رسمي: "من أكثر النتائج إثارة أننا أدركنا أننا رصدنا عددا أكبر بكثير من النجوم مما كنا نعتقد". وأضافت: "حتى عملية رصد صغيرة قد تحتوي على عدد هائل ومتنوع من النجوم التي لم نكن ننوي دراستها أصلا".
رغم اتساع عدد النجوم التي شملها الرصد، يؤكد الباحثون أن ذلك لا يعني أن فرص اكتشاف حضارات ذكية أصبحت أقل.
فمعظم النجوم لم تُراقب إلا لفترات زمنية قصيرة، كما أن عمليات البحث اقتصرت على نطاق ضيق من الترددات الراديوية. لذلك ربما أُرسلت إشارة أثناء توقف التلسكوب عن الرصد، أو على تردد مختلف تماما عن الترددات التي كان العلماء يستمعون إليها.
ولعقود طويلة ركزت برامج البحث على نطاق ترددي يعرف باسم "حفرة الماء"، لأنه يقع بين ترددين يرتبطان بالهيدروجين والهيدروكسيل، وهما المكونان الأساسيان لجزيء الماء، كما أن هذا النطاق يخترق الغلاف الجوي للأرض بسهولة، مما جعله الخيار المفضل لعمليات البحث منذ ستينيات القرن الماضي.
ولم تكتف "ماسون" بإعادة حساب عدد النجوم، بل أجرت أول بحث من نوعه باستخدام بيانات مصفوفة أتاكاما المليمترية ودون المليمترية في تشيلي، التي تعمل عند ترددات أعلى من معظم التلسكوبات الراديوية التقليدية.
ولم تُجر الباحثة عمليات رصد جديدة، وإنما أعادت تحليل بيانات محفوظة بحثا عن إشارات ضيقة النطاق ربما لم يلاحظها أحد من قبل.
وقالت: "على مدى عقود ركز الباحثون على جزء صغير نسبيا من الطيف الراديوي، وأردنا أن نسأل: ماذا سيحدث إذا بحثنا في مكان مختلف تماما؟".
ورغم أن الدراسة لم تعثر على أي إشارة واعدة، فإنها تشير إلى أن النطاقات المليمترية ودون المليمترية لا تزال شبه غير مستكشفة في برامج البحث عن ذكاء خارج الأرض.
وأضافت ماسون: "لا تزال هذه النطاقات غير مستكشفة تقريبا، ولذلك فإن الهدف هو فتح مساحة جديدة بالكامل للبحث".
عُرضت نتائج الدراسة خلال الاجتماع الوطني للجمعية الفلكية الملكية في مدينة برمنغهام البريطانية، كما نُشرت في ورقتين علميتين بمجلة "الإشعارات الشهرية للجمعية الفلكية الملكية" (Monthly Notices of the Royal Astronomical Society)، تناولت الأولى تحليل بيانات مرصد أتاكاما، بينما ركزت الثانية على استخدام نموذج "بيسانسون" لإعادة تقدير عدد النجوم التي شملتها عمليات الرصد السابقة.
ولا تعني هذه النتائج أن العلماء اقتربوا من اكتشاف حضارة فضائية، بل إنها توسع حدود البحث وتعيد تقييم ما أُنجز خلال العقود الماضية. فكل توسع في نطاق الرصد، سواء في عدد النجوم أو في الترددات المستخدمة، يزيد من دقة الفرضيات العلمية ويقرب الباحثين من فهم أفضل لمكانة الأرض في الكون.
وهكذا يبقى العلم قائما على توسيع حدود المعرفة، لا على البحث عن إجابات سريعة، لأن كل نافذة جديدة تُفتح على السماء قد تحمل مستقبلا اكتشافا يغير نظرتنا إلى الحياة في الكون.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة