رغم هيئتها الصغيرة على خريطة العالم، تحمل الجزر الصغيرة وزنا بيئيا هائلا، إذ تضم نحو خمس التنوع الحيوي العالمي، وتؤوي أنواعا لا تعيش في أي مكان آخر. في دراسة جديدة نُشرت يوم 27 يوليو/تموز في دورية "بروسيدنجس أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسز" يحذر باحثون من أن هذه الجزر تقف أمام ضغط ثلاثي متزايد: تغير المناخ، وتغير استخدام الأراضي، والغزوات البيولوجية من أنواع غير أصلية.
وبحلول عام 2050، قد لا تواجه كثير من الجزر تهديدا واحدا فقط، بل مزيجا من هذه الضغوط في الوقت نفسه.
حلل الباحثون بيانات 16578 جزيرة بالعالم، في محاولة لرسم خريطة عالمية دقيقة لتعرض الجزر لهذه التهديدات. ولم يكتفوا بالنظر إلى ارتفاع الحرارة أو مستوى البحر، بل جمعوا ستة مؤشرات تشمل تغيرات الحرارة والأمطار، وسيناريو ارتفاع مستوى البحر بمتر واحد، ونسبة الأراضي التي حوّلها الإنسان إلى زراعة أو عمران أو غابات إنتاجية، إضافة إلى كثافة الأنواع غير الأصلية الحالية والمتوقعة مستقبلا.
توضح المؤلفة الرئيسية للدراسة، كلارا مارينو، الباحثة في التنوع البيولوجي في جامعة باريس ساكلاي بفرنسا، أن تغير المناخ هو التهديد الأكثر شيوعا بالنسبة للجزر الصغيرة، إذ ظهر باعتباره التهديد المسيطر في 65% من الجزر المدروسة. أما تغير استخدام الأراضي فكان التهديد الأهم في 22% من الجزر، وجاءت الغزوات البيولوجية في 13%.
حددت الدراسة أعلى 5% من الجزر من حيث التعرض التراكمي، وعددها 836 جزيرة. وفي هذه المجموعة، لم يكن تغير المناخ هو اللاعب الرئيسي، بل تغير استخدام الأراضي؛ إذ كان التهديد المسيطر في 87% من هذه الجزر.
وفي تصريحات للجزيرة نت، توضح كلارا أن إزالة الغطاء الطبيعي، والتوسع الزراعي والعمراني، وتفتيت الموائل قد تكون في بعض الأماكن أكثر إلحاحا من ارتفاع الحرارة نفسه.
تقول الباحثة: "قد تكون بعض الجزر مهددة ليس فقط بما يأتيها من السماء والبحر، بل أيضا بما يحدث على أرضها مباشرة".
تظهر الخرائط أن بؤر التعرض المرتفع تتركز في مناطق مثل المحيط الهادي، وخليج البنغال، وبحر البلطيق، وبحر الصين الشرقي، والفلبين، وبعض جزر إندونيسيا. كما وجدت الدراسة أن دولا ومناطق مثل سيشل، وبنغلاديش، والصين، وبولينيزيا الفرنسية، وميكرونيزيا، والفلبين، وتوفالو، وسنغافورة، وسريلانكا تضم عددا أعلى من المتوقع من الجزر الشديدة التعرض.
تكشف الدراسة أن شكل الجزيرة وموقعها يحددان نوع الخطر الذي تواجهه؛ فالجزر الصغيرة والمنخفضة والقريبة من خط الاستواء أكثر تعرضا لتغير المناخ وارتفاع مستوى البحر، كما في الجزر المرجانية والدلتاوات. فهذه الجزر لا تملك غالبا ارتفاعا كافيا يحميها من البحر الصاعد، ولا مساحة كبيرة تسمح للأنواع أو السكان بالتحرك بعيدا عن الخطر.
أما الجزر الكبرى والعليا، خصوصا القريبة من كتل يابسة أو التي لها تاريخ طويل من الاستيطان، فتبدو أكثر تعرضا لتغير استخدام الأراضي، وفقا للباحثة التي توضح أن في هذه الجزر، قد تكون المشكلة الرئيسية هي تحويل الغابات والموائل الطبيعية إلى مزارع أو مدن أو بنى تحتية، بما يؤدي إلى تجزئة النظم البيئية وعزل الأنواع في مساحات أصغر.
وتضيف الغزوات البيولوجية طبقة أخرى من التعقيد؛ إذ إن الأنواع غير الأصلية، مثل بعض النباتات أو القوارض أو الحشرات أو الحيوانات المفترسة التي تصل مع البشر والسفن، يمكن أن تكون مدمرة في الجزر. فكثير من الكائنات الجزرية تطورت في عزلة، ولم تطور دفاعات كافية ضد مفترسات أو منافسين جدد يظهرون فجأة في بيئتها.
وبذلك لا تعمل التهديدات الثلاثة منفصلة دائما؛ فقد يضعف تغير المناخ موئلا طبيعيا، ثم يزيد تغير استخدام الأراضي من تفتيته، بينما تمنع الأنواع الغازية بعض الكائنات الأصلية من التعافي. وفي مساحة صغيرة مثل الجزيرة، يمكن لهذه الضغوط أن تتراكم بسرعة أكبر مما يحدث في القارات.
تشير الباحثة إلى أن هذه النتائج رغم أهميتها لا تخلو من ثغرات لعدم اشتمال الدراسة على تهديدات مهمة أخرى مثل التلوث، والصيد الجائر، والاستغلال المفرط، والضوء الصناعي، والبلاستيك. وتعترف الدراسة أيضا بأن نماذج المناخ العالمية قد لا تلتقط بدقة تضاريس الجزر الصغيرة، وأن عدد الأنواع غير الأصلية لا يعني بالضرورة أن كل هذه الأنواع مدمرة للنظام البيئي؛ فالأثر يختلف من نوع إلى آخر ومن جزيرة إلى أخرى.
ومع ذلك، تمنح الدراسة صانعي القرار أداة مهمة لتحديد الأولويات، وفقا لكلارا التي تشدد على أنه في بعض الجزر، قد يكون التدخل العاجل هو حماية الموائل المتبقية ومنع التوسع العمراني العشوائي. وفي جزر أخرى، قد تكون الأولوية لإزالة الأنواع الغازية أو منع دخولها. أما في الجزر المنخفضة، فقد يصبح التخطيط لارتفاع مستوى البحر وحماية المناطق الساحلية مسألة وجودية.
ومن حيث التمويل، فقد مولت الدراسةَ مجموعةُ العمل "ريفاج"، المدعومة من المؤسسة الفرنسية لأبحاث التنوع الحيوي. كما تلقى بعض الباحثين دعما من المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ومن مشروعات بحثية مُموّلة من الاتحاد الأوروبي. وأعلن الباحثون عدم وجود تضارب مصالح.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة