في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في هذه اللحظات، يحدث شيء في أعماق المحيط الهادئ قادر على إحداث تغييرات جذرية في أنماط الطقس العالمية، وقد يؤثر في إنتاج الغذاء، ويرفع درجات الحرارة على مستوى الكوكب. وبحسب المنطقة التي تعيش فيها، قد يعني ذلك فيضانات مدمرة، أو موجات جفاف قاسية، أو فترات حر شديد، أو حرائق غابات واسعة النطاق.
تُعرف هذه الظاهرة باسم النينيو، وهي نمط مناخي طبيعي يحدث عندما ترتفع درجات حرارة مساحات شاسعة من المياه الاستوائية القريبة من خط الاستواء إلى مستويات أعلى بكثير من المعتاد. ولا نتحدث هنا عن بقعة صغيرة من المحيط، بل عن منطقة تمتد لآلاف الكيلومترات.
وقبل عدة أسابيع، أعلنت الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) بدء ظاهرة النينيو رسميا، مؤكدة أن ظروف النينيو – التي تحدث عادة كل سنتين إلى 7 سنوات وتستمر في الغالب لمدة عام تقريبا – أصبحت قائمة حاليا في المناطق الاستوائية من المحيط الهادئ، بعد أن شهدت درجات حرارة سطح البحر ارتفاعا ملحوظا خلال الأشهر الأخيرة.
وأوضحت الوكالة الأمريكية أن ظروف النينيو تطورت خلال الشهر الماضي، مدعومة بارتفاع ملحوظ في درجات حرارة سطح البحر فوق معدلاتها الطبيعية، بالتزامن مع تغيرات في أنماط الرياح فوق المحيط الهادئ الاستوائي، ما يدل على أن الغلاف الجوي بدأ بالفعل يستجيب للاحترار البحري، وليس مجرد ارتفاع مستقل في حرارة المياه، في إشارة إلى تطور الظاهرة ودخولها مرحلة أكثر اكتمالا وتأثيرا.
ويوضح المدير التنفيذي لمبادرة المخاطر المناخية الإستراتيجية البريطانية، لوري لايبورن، أن المؤشرات المحيطية والجوية الحالية تعزز هذا التقييم، مشيرا في حديثه للجزيرة نت إلى أن المحيط الهادئ يشهد احترارا قويا، بينما تسهم الرياح الغربية في تعزيز قوة الظاهرة ودفعها نحو مزيد من الشدة خلال الأشهر المقبلة، لتبلغ ذروتها في وقت لاحق من هذا العام، حاملة معها اضطرابات مناخية قد تمتد إلى مختلف القارات.
لم يكن هذا الإعلان مفاجئا للمتخصصين، إذ كان خبراء الأرصاد يتوقعون عودة مرحلة الاحترار هذه بعد انتهاء النمط المناخي الأبرد المعروف باسم النينيا (La Niña)، وهي المرحلة المعاكسة التي تنخفض فيها درجات حرارة المياه عن المعدلات المعتادة، والتي مر بها العالم خلال الشتاء الماضي.
منذ ذلك الحين، بدأت مياه المحيط الهادئ الاستوائية بالاحترار بسرعة ملحوظة، فقد ارتفعت درجات حرارة سطح البحر في وسط المحيط الهادئ الاستوائي إلى مستويات أعلى بكثير من المعدل الطبيعي، وتجاوزت الآن عتبة 0.5 درجة مئوية فوق المتوسط، وهي القيمة التي يعتمدها العلماء الأمريكيون لتعريف حدوث ظاهرة النينيو.
في المقابل، لا تزال بعض الجهات أكثر تحفظا. فمكتب الأرصاد الجوية الأسترالي يعتمد معيارا أكثر صرامة، إذ يشترط أن تتجاوز درجات حرارة سطح البحر 0.8 درجة مئوية فوق المتوسط لإعلان بدء الظاهرة رسميا. ومع ذلك، يتوقع المكتب تطور الظاهرة خلال وقت لاحق من هذا العام، ويرى أنها قد تكون قوية.
ومع استمرار ارتفاع حرارة المحيط، وتراكم آثار عقود من الاحترار العالمي الناتج عن النشاط البشري، تشير العديد من التوقعات المناخية إلى أن نسخة هذا العام قد تتطور إلى ما يُعرف بـ"النينيو الفائق"، وربما تصبح من بين الأقوى على الإطلاق.
ووفقا للتوقعات الأخيرة، فإن هناك احتمالا بنسبة 63% بأن تصبح النينيو قوية أو شديد القوة بحلول أواخر الخريف أو بداية الشتاء، وهو ما قد يضعها ضمن أكبر الأحداث المسجلة منذ بدء السجلات الحديثة في عام 1950.
ومع تزايد احتمالات تسجيل رقم قياسي جديد في درجات الحرارة العالمية خلال السنوات الخمس المقبلة، يتوقع لايبورن أن يؤدي حدوث النينيو شديدة القوة إلى ارتفاع مؤقت في درجة حرارة الأرض فوق 1.5 درجة مئوية، مما يجعل عام 2027 المرشح الأبرز ليصبح العام الأكثر حرارة على الإطلاق منذ بدء السجلات المناخية.
ويضيف أن "هذا السيناريو يعني أنه لا يمكننا استبعاد أن يصبح أول عام تستمر فيه درجات الحرارة العالمية فوق 1.5 درجة مئوية دون أن تنخفض بعد ذلك، على غرار ما حدث عندما تجاوزت درجات الحرارة هذا الحد مؤقتا خلال عام 2024".
وتذهب بعض التوقعات الحالية إلى أبعد من ذلك, إذ تشير إلى أن متوسط درجات حرارة المحيط الهادئ الاستوائي قد ترتفع بحلول نهاية العام بأكثر من 3 درجات مئوية مقارنة بالمعدلات الطبيعية، وهو مستوى غير مسبوق، فحتى أقوى ظاهرة النينيو في عام 1877، وفق أفضل التقديرات المتاحة، لم تبلغ هذه الشدة.
وتأتي هذه الزيادة اليوم في عالم يسجل بالفعل أرقاما قياسية في درجات الحرارة. فقد كان عام 2024 – وهو العام الأشد حرارة على الإطلاق – مدعوما بظاهرة النينيو لم تكن استثنائية القوة. كما أن عام 2025 جاء ثالث أكثر الأعوام حرارة في السجلات، رغم تأثير التبريد الناتج عن النينيا، بل وتجاوز في حرارته عام 2016 الذي شهد "النينيو الفائق".
رغم اختلاف أحداث النينيو من حيث الشدة والتأثير، فإن أشد تأثيراتها تكون عادة أكثر وضوحا في المناطق المدارية، مع تعرض بعض المناطق لتأثيرات أكثر خطورة بكثير، دون أن يرتبط حجم الأضرار دائما بقوة الظاهرة بشكل مباشر.
على سبيل المثال، تعد الفيضانات واسعة النطاق أمرا شائعا في مناطق شمال بيرو وجنوب الإكوادور، وقد تمتد آثار الأمطار الغزيرة إلى أجزاء من شرق أفريقيا وآسيا الوسطى وجنوب أمريكا الشمالية.
وفي المقابل، تواجه مناطق أخرى التأثير المعاكس، حيث تعاني من انقطاع الأمطار تماما، وارتفاع احتمالات الجفاف، وانتشار حرائق الغابات في أجزاء واسعة من جنوب آسيا وجنوب شرقها وجنوب أفريقيا وأستراليا وشمال أمريكا الجنوبية، الأمر الذي ينعكس سلبا على الإنتاج الزراعي والإمدادات الغذائية العالمية.
ويقول لايبورن "أشعر بقلق خاص إزاء الاضطرابات المحتملة في أنظمة الرياح الموسمية عبر آسيا وأفريقيا، وما قد يصاحبها من موجات حر شديدة في هاتين المنطقتين، إضافة إلى أستراليا وأمريكا الجنوبية".
ويضيف أن "اشتداد الجفاف قد يدفع غابات الأمازون المطيرة إلى الاقتراب أكثر من نقطة تحول حرجة"، محذرا من أن "تجاوز هذه النقطة قد يؤدي ذلك إلى تدهور واسع النطاق ومتسارع للغابة يصعب إيقافه".
وبالنسبة للكثيرين حول العالم، لا تعد هذه التوقعات مجرد بيانات علمية مجردة، بل هي بمثابة صفارة إنذار قاتلة يخشاها ملايين الناس، وقد تعني بالنسبة لهم فشل مواسم الأمطار، وتلف المحاصيل، وارتفاع أسعار الغذاء، ودفع المزيد من الأسر إلى حافة الأزمة مرة أخرى. وفي شرق أفريقيا على وجه الخصوص، ستضرب هذه الظاهرة مجتمعات أنهكتها موجات الجفاف والفيضانات خلال السنوات الأخيرة.
يكفي النظر إلى سجل النينيو عبر التاريخ لفهم حجم القلق المحيط بالتوقعات الحالية، إذ ارتبطت على مر القرون بموجات جفاف وحر شديد وأزمات غذائية وصحية واسعة النطاق، بل يرى بعض الباحثين آثارها في أزمات سياسية واقتصادية شهدتها مصر القديمة، أو في انهيار حضارة موتشي في ما يُعرف اليوم ببيرو قبل أكثر من ألف عام.
وخلال أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر، كانت النينيو عاملا رئيسيا في انهيار أنماط الطقس عبر عدة قارات في الوقت نفسه، فقد ارتبطت بموجات جفاف قاسية امتدت عبر مناطق واسعة من العالم، بما في ذلك البرازيل وجنوب أفريقيا والصين، وتسببت في هبوط معدلات الأمطار إلى مستويات قياسية، ورسخت أوجه عدم المساواة التي "ستُوصف لاحقا بالعالم الأول والعالم الثالث"، وفقا لما جاء في إحدى الدراسات.
أما خلال الحدث القوي الذي وقع بين عامي 2015 و2016، فقد تعرضت أجزاء من أفريقيا، وخاصة إثيوبيا، إضافة إلى منطقة الكاريبي، لموجات جفاف حادة، بينما تعرضت مناطق من آسيا الوسطى لأمطار وفيضانات استثنائية، كما امتدت آثار الظاهرة إلى الأسواق العالمية، ما انعكس سلبا على الأمن الغذائي العالمي، وتأثر أكثر من 60 مليون شخص بتداعيات الجفاف والفيضانات المرتبطة بذلك الحدث، وفقا للأمم المتحدة.
وبحسب لايبورن، تكمن خطورة النينيو في أنها لا تؤثر في منطقة واحدة فقط، ولا تقتصر على اضطرابات الطقس فحسب، بل تمتد أيضا إلى التأثيرات المتسلسلة أو ما يشبه أحجار الدومينو.
ويضيف "على سبيل المثال، تنتقل تداعيات فشل المحاصيل الزراعية عبر الأنظمة الاقتصادية والغذائية إلى مناطق بعيدة عن مكان حدوثها الأصلي. ولهذا فإن جميع أنحاء العالم، بدرجات متفاوتة، معرضة لعواقب ظاهرة النينيو شديدة القوة".
بدأت آثار النينيو بالظهور بالفعل في بعض المناطق. ففي إندونيسيا اندلعت حرائق الغابات في وقت أبكر من المعتاد هذا العام، وتخشى المجتمعات المحلية أن تؤدي الظاهرة إلى زيادة حدتها واتساع نطاقها، بما يهدد المنازل والأنشطة الاقتصادية والأراضي الزراعية.
وقد يبدو أن عالم اليوم أكثر قدرة على الاستعداد والصمود في مواجهة مثل هذه التحديات مقارنة بالماضي. فالدول تمتلك اليوم التكنولوجيا الحديثة والأقمار الصناعية والشبكات المتطورة لرصد ظواهر النينيو. كما أصبحت الزراعة أكثر تقدما بكثير، وتحتفظ العديد من الدول المعرضة لصدمات غذائية باحتياطيات إستراتيجية من الحبوب.
ويقول لايبورن إن ظروف النينيو الماضية دفعت الدول إلى تطوير أنظمة إنذار مبكر متقدمة قادرة على استشراف الظواهر الجوية المتطرفة وما يترتب عليها من تداعيات، مثل انعدام الأمن الغذائي.
ويشير إلى أن "هناك العديد من الأمثلة الأخرى على تحسن الجاهزية، لكن المشكلة اليوم تتمثل في أن هذه الأنظمة نفسها تتعرض للتآكل بفعل التحولات الجيوسياسية، وفي الوقت ذاته تواجه ضغوطا غير مسبوقة نتيجة التغير المناخي".
كما لا تزال المجتمعات الحديثة تعتمد بدرجة كبيرة على استقرار المناخ، إذ يرتبط الأمن الغذائي والموارد المائية وإنتاج الطاقة ارتباطا وثيقا بالظروف الجوية.
وفي ظل تسجيل المحيطات درجات حرارة قياسية وتزايد الظواهر الجوية المتطرفة وتراجع استقرار بعض المناطق الزراعية بفعل تغير المناخ، تصبح آثار أي اضطراب مناخي واسع النطاق أكثر خطورة على المستويين الاقتصادي والإنساني.
ويشير لايبورن إلى أن "هذا الوضع عندما يُضاف إلى الأحوال الجوية المتطرفة التي قد تجلبها النينيو، وما يرافقها من تأثيرات متسلسلة، فإننا نواجه خطر تشكل "عاصفة مثالية" من العوامل السلبية التي قد تضرب النظام الغذائي العالمي في وقت واحد".
ولهذا السبب يراقب العلماء تطورات المحيط الهادئ بدقة متزايدة، لأن ما يبدأ بارتفاع حرارة المياه في بقعة بعيدة من المحيط قد ينتهي بتغيير حياة ملايين البشر في مختلف أنحاء العالم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة