في خطوة تاريخية عززت مكانته على الخارطة العلمية الدولية، وقع الأردن رسميا على "اتفاقيات أرتميس" (Artemis Accords)، ليصبح خامس دولة عربية تتبنى هذا الميثاق الدولي بعد الإمارات والبحرين والسعودية وسلطنة عُمان.
ولم يكن هذا التوقيع مجرد إجراء دبلوماسي، بل هو تذكرة عبور للأجيال الأردنية القادمة للمشاركة في أعظم مغامرة استكشافية في تاريخ البشرية.
وتكمن أهمية هذه الاتفاقية للأردن في فتح آفاق التعاون التقني والعلمي مع إدارة الطيران والفضاء الأمريكية ( ناسا) والوكالات العالمية الكبرى. ويتيح هذا الانضمام للجامعات والمراكز البحثية الأردنية فرصة المساهمة في تطوير تقنيات الفضاء، ودراسة علوم الفلك، والمشاركة في البيانات الضخمة التي ستنتج عن الرحلات القمرية.
وتستند هذه الاتفاقيات إلى "معاهدة الفضاء الخارجي" لعام 1967، لكنها تضع نقاطا أكثر تفصيلا حول كيفية التعايش فوق سطح القمر.
وتهدف الاتفاقية إلى منع النزاعات، وضمان أن يكون الاستكشاف "لصالح البشرية جمعاء"، وهي محاولة لخلق بيئة من الثقة والشفافية، حيث يتعهد الموقعون بمشاركة خططهم العلمية وبياناتهم علانية، مما يقلل من احتمالات سوء الفهم أو الصراع بين القوى العظمى والناشئة في الفضاء.
قد يتساءل الكثيرون عن سبب اختيار هذا الاسم تحديدا. ففي الأساطير اليونانية القديمة، "أرتميس" (Artemis) هي إلهة القمر وشقيقة "أبولو" التوأم، وهذا الاختيار يحمل دلالة رمزية عميقة؛ فإذا كان برنامج "أبولو" في الستينيات والسبعينيات هو الذي وضع الرجل الأول على القمر، فإن برنامج "أرتميس" يهدف إلى إرسال أول امرأة وأول شخص من أصحاب البشرة الملونة إلى سطح القمر.
وتعكس التسمية الرغبة في العودة إلى القمر بذهنية جديدة تتضمن التنوع والشمولية والاستدامة. فـ"أرتميس" ليست مجرد رحلة ذهاب وإياب لرفع العلم وترك بصمات الأقدام، بل هي مشروع لبناء قاعدة "ألفا" قمرية، ومحطة فضاء تدور حول القمر، لتكون منطلقا للرحلة الأكبر، وهي الوصول إلى كوكب المريخ في العقود القادمة.
تعتمد "اتفاقيات أرتميس" على 10 ركائز تضمن بقاء الفضاء مكانا للتعاون وليس للصراع:
من أكثر النقاط إثارة للاهتمام في الاتفاقية الفقرة المتعلقة بـ"الموارد الفضائية"، إذ تنص "أرتميس" على أن استخراج الموارد من القمر واستخدامها (مثل الجليد المائي أو المعادن) أمر حيوي للاستكشاف المستدام، فالماء يمكن تحويله إلى أكسجين للتنفس وهيدروجين كوقود للصواريخ، مما يقلل التكلفة الباهظة لنقل الموارد من الأرض.
وتؤكد الاتفاقية أن استخراج هذه الموارد لا يعد استيلاء وطنيا أو ملكية للأرض، وهو تمييز دقيق يتماشى مع معاهدة الفضاء الخارجي. والفكرة هنا هي تشجيع الاستثمار والابتكار مع الحفاظ على مبدأ أن الفضاء ملك للجميع.
ويفتح هذا البند الباب أمام الشركات الخاصة للدخول في قطاع "تعدين الفضاء"، وهو قطاع يتوقع الخبراء أن تبلغ قيمته تريليونات الدولارات في المستقبل.
كما تتطرق الاتفاقية إلى "منع التداخل الضار" من خلال إنشاء "مناطق سلامة" حول القواعد القمرية، حيث يتعين على الدول التنسيق قبل الاقتراب من مناطق عمليات الآخرين لمنع الحوادث. وهذا لا يعني امتلاك الأرض، بل يعني إدارة الحركة المرورية والعملياتية لضمان سلامة الجميع.
أما المبدأ الأخير والحيوي فهو التخلص الآمن من الحطام الفضائي. فمع تزايد عدد الأقمار الصناعية والبعثات، أصبح الحطام يهدد سلامة الرحلات المستقبلية.
لذا تلتزم الدول الموقعة بتطوير خطط للتخلص من مركباتها بعد انتهاء مهامها، لضمان بقاء المدارات والقمر بيئة نظيفة وآمنة للأجيال القادمة، وبهذا المعنى فإن "أرتميس" هي أول محاولة لفرض مفهوم "الاستدامة البيئية" خارج كوكب الأرض.
الهدف النهائي لـ"أرتميس" ليس القمر بحد ذاته، بل التعلم منه للوصول إلى المريخ. فالقمر هو المختبر المثالي لاختبار أنظمة دعم الحياة، والبدلات الفضائية الجديدة، وتقنيات الحماية من الإشعاع الشمسي ووجود دول مثل الأردن في هذا التحالف يضمن لها مقعدا في المناقشات التي ستحدد مصير الوجود البشري في الكواكب الأخرى.
لقد انتقل الفضاء من كونه ساحة للتنافس العسكري البارد إلى ساحة للتعاون العلمي والاقتصادي. ومع انضمام المزيد من الدول، ننتقل من مرحلة "اكتشاف الفضاء" إلى مرحلة "العيش في الفضاء"، وبذلك فإن اتفاقيات أرتميس هي الخريطة التي ستستخدم للإبحار في هذا المحيط الكوني الشاسع.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة