تعتبر كرة القدم اليوم أحد أبرز أدوات القوة الناعمة التي تساهم في دعم التنمية الاجتماعية والاقتصادية للدول. إنها لعبة ونظام ثقافي يجمع بين الترفيه والاقتصاد ودعم صورة دولية لبلدان لا تستطيع ذلك بوسائل القوة الاقتصادية والعلمية والدبلوماسية والعسكرية. تفتح كرة القدم أبواب الاستثمارات والشراكات، ولكنها تظل صعبة في السيطرة على أبعادها بسبب عاملين أساسيين:
استقطابها مئات ملايين المتابعين والعشاق، وأغلبيتهم من العامة، وهو ما يطرح مسألة مستوى الوعي المدني والسياسي الجماعي وقوة سيطرة الانفعال العاطفي. ترى أغلبية هؤلاء المتابعين في الكرة تعبيراً عن هويتهم الوطنية، وأي حدث يمس ذلك قد يتحول إلى موجة من العواطف غير المنضبطة، تؤثر على السياسات العامة وعلى القرارات الرياضية.
اعتمادها على نظام نجومية قوي مدعوم بميزانيات مالية هائلة يجعلها ذات سلطة إعلامية مؤثرة، بحيث أنها قد تنفلت أحيانًا من السيطرة المؤسساتية وضوابطها، وتتعرض لضغوط شعبية وأيديولوجية وسياسية مؤثرة. تكشف هذه الضغوط عن تعقيدات الرياضة كأداة للتنمية، بحيث يمكن أن تتحول إلى ساحة للصراعات بدلاً من عامل الوحدة، وخاصة في المجتمعات والبلدان التي تعاني من نقص في التربية المدنية والنظامية وفي التنمية والوفرة الاقتصادية.
في لحظات التوتر الكبرى، حين تتقاطع الرياضة بطبيعة السياسات العمومية وبالنجاح وبالحساسيات العرقية والثقافية، وعند انتشار أو النشر المغرض لسوء الظن، وفي سياقات مثل هذه، لا تُختبر المجتمعات بقدرتها على الإنجاز وحده، بل بقدرتها على قراءة الإنجاز دون انفعال أو إسقاط. تكشف كرة القدم على مستوى المنافسات القارية والدولية الكبرى هذا الامتحان بوضوح جارح. وما حدث ويحدث حول تجربة المغرب الكروية مع تنظيم كأس إفريقيا للأمم الأخيرة، تنظيمًا وتدبيرًا وحضورًا قارّيًا ودوليًا، ليس استثناءً فقط، وإنما هو مثال صارخ على آلية مرضية إنسانية قديمة يمكن نعتها بـ: معاقبة من ينجح أكثر مما يعاقب من عمل بخبث وبسبق إصرار على تدمير نجاح الجميع؛ أي علي وعلى الجميع. ذلك ما حدث موضوعيًا في سياق عقوبات الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف) الأخيرة، والتي تأخرت لما يزيد عن عشرة أيام بعد نهائي كأس أمم إفريقيا 2025، والتي فرضت غرامات مالية تصل إلى 315 ألف دولار على الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وإيقاف لاعبين بارزين مثل أشرف حكيمي وإسماعيل صيباري. هنا يبرز هذا الجدل كدليل على كيفية تحول النجاح إلى مصدر للريبة والعقاب.
يخطئ من يعتقد أن الجدل المحتدم لا يتعلق إلا بنتيجة مباراة أو بلقطة عابرة أو بتأويل نوايا أو بمبالغة هدفها تبرير فشل. إن الأمر أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام صدام بين منطقين يتجاذبان قارة هي اليوم أمام سياق عالمي لتغيير عقليتها وإدراكها وفهمها لموقعها في الخرطة الجيوسياسية الحالية التي تمنحها، في نظري، فرصة للارتقاء ولبناء موقع حر ومتحرر من الأسباب الذاتية للتخلف وللضعف بصفة عامة:
منطق العمل التراكمي الهادئ، (نموذجه إفريقيًا وعربيًا الرؤية الملكية الاستراتيجية الحكيمة، بما فيها استراتيجية بناء منظومة كرة قدم وطنية عالية المستوى)، الذي يعتمد على الاستثمار طويل الأمد والنفس في البنية التحتية والتكوين.
منطق الانفعال الذي لا يبني شيئًا ولا يخطط ولا يفكر إلا تجزيئيًا ومناسباتيًا، والذي يبحث عن كبش فداء عند أول تعثر.
ومن هنا يصبح من الضروري التأكيد وبوضوح، أن نتيجة ما حدث لا ينبغي “الركوب عليها” بإرضاء وبنرجسية، ولا يجوز تحميلها أكثر مما تحتمل، مهما كانت الادعاءات والمبررات، سواء رُفعت باسم الدفاع عن الوطن أو تحت يافطة الغيرة على المواطنة أو الالتزام بالقيم. هذه العقوبات، التي وصفتها الصحافة المغربية بـ”غير العادلة” و”بالمتساهلة مع الجانب السنغالي”، كشفت وتكشف عن اختلال في ميزان العدالة وعن خرق لمنطق العقل السليم ولقوانين اللعبة، حيث تم رفض احتجاج المغرب رغم الأحداث الفوضوية الفاضحة التي شهدتها المباراة النهائية في الرباط، على مرأى ومسمع من العالم.
علمنا يوهان كرويف، أحد أكبر العقول تاريخيًا في كرة القدم، أن «الجودة لا تكون صدفة، بل نتيجة منطق واضح في التفكير والعمل» (يوهان كرويف، My Turn). هذا هو نفس المنطق الذي حكم مسار الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم خلال السنوات الأخيرة بتوجيهات وأفكار وإشراف مباشر من صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وهو منطق لم يولد بين عشية وضحاها كما لم يكن قائمًا على ردود الأفعال، بل على رؤية طويلة النفس تستثمر في البنية وفي التكوين وفي العلاقات وفي صورة البلد داخل المنظومة الكروية الدولية. منذ تولي فوزي لقجع رئاسة الجامعة في 2014، شهدت الكرة المغربية تحولاً جذرياً، بدءًا من بناء مراكز التكوين مثل أكاديمية محمد السادس التي أنتجت مواهب مثل يوسف النصيري وأشرف حكيمي، وصولاً إلى تنظيم بطولات كبرى مثل كأس أمم إفريقيا 2025، التي أقيمت في ملعب مولاي عبد الله بالرباط بمعايير عالمية.
لم تقتصر هذه الرؤية الملكية على الجانب الرياضي وحده، بل امتدت إلى الأبعاد الاقتصادية للمنظومة. فقد ارتفعت ميزانية الجامعة من حوالي 50 مليون دولار في 2014 إلى أكثر من 200 مليون دولار في 2025، مدعومة بشراكات مع شركات عالمية مثل أديداس وبوما، واستثمارات في البنية التحتية بلغت قيمتها مليار دولار، حيث شملت تجديد الملاعب وإنشاء مراكز طبية رياضية. ساهم هذا الاستثمار في دعم الاقتصاد المغربي، حيث أدى تنظيم كأس أمم إفريقيا 2025 إلى جذب أكثر من 500 ألف سائح، مُولِّدًا إيرادات سياحية تقدر بـ 300 مليون دولار، وفقًا لتقارير وزارة السياحة المغربية. كما أن النجاح في كأس العالم 2022، حيث وصل المغرب إلى نصف النهائي، رفع من مكانة البلاد كقوة كروية إفريقية وعالمية، وهو ما جذب رعايات دولية وشراكات مع الاتحاد الدولي لكرة القدم.
حين نتحدث عن هذه الرؤية الملكية الاستراتيجية، فلا يمكن للملاحظ القفز على اسم رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم السيد فوزي لقجع. شكل رئيس جامعة كرة القدم المغربية، بشهادة الخصوم قبل الأصدقاء، أحد أبرز الفاعلين في تحديث الحكامة الكروية بالمغرب. غير أن الاعتراف بدوره لا يعني تحويله إلى أسطورة معصومة، ولا إلى “سوبرمان” قادر على حل كل الإشكالات البنيوية والمعقدة في محيط تنافسي شرس، تحكمه توازنات سياسية واقتصادية وأحيانًا إيديولوجية ومزاجية، ذلك أن: «كرة القدم الحديثة لعبة أنظمة، لا لعبة أشخاص، حتى لو كان الأشخاص استثنائيين» (أرسين فينغر، My Life in Red and White). فالسيد لقجع، الذي شغل ويشغل مناصب حكومية هامة، أدخل إصلاحات إدارية مثل مكافحة الفساد في التحكيم وتعزيز المساواة بين الجنسين في الرياضة… مما جعل المغرب نموذجاً للتنمية الرياضية في إفريقيا.
من الظلم الفادح إذن تعليق أي إخفاق، (والانتخابات على الأبواب بالمغرب حيث تستغل أي فرصة من الخائضين في الماء العكر ومدعي الخبرة في كل الميادين والمعتادين على نقد كل شيء لتأكيد نجومية…)، حقيقي أو متوهم على شخص واحد، خصوصًا إذا كان هذا الشخص قد أعطى الكثير، وفتح أوراش إصلاحات وتشييد بنيات ومنظومات، تحت التوجيهات الملكية الحكيمة والسامية، لم يكن أحد يجرؤ على فتحها قبله. لا يخلق النجاح الإعجاب فقط، فقد يولد أيضًا مقاومة ضارية وخفية. يشرح عالم الاجتماع بيير بورديو، أن مقاومة النجاح «تظهر حين يهدد الفاعل الناجح توازن الحقول، فيُنظر إليه كتهديد لا كنموذج» (بيير بورديو، Questions de sociologie). لقد أصبح لقجع، بانتخابه نائباً لرئيس الكاف سنة 2021، هدفًا للانتقادات وخاصة بعد نجاح المغرب في تنظيم بطولات كبرى قارية ودولية وما هو مقبل عليه من نجاحات وخبرة وسمعة. هكذا تبدو عقوبات الكاف الأخيرة، التي ركزت على “سلوك غير لائق” من اللاعبين والجهاز الفني، كمحاولة لاستهداف الإدارة المغربية، رغم أن الأحداث شملت فوضى مُبَيّتة من الجانب السنغالي، أهمها وأفضحها مغادرة الملعب لـ 14 دقيقة.
يمتد استهداف السيد لقجع إلى الأبعاد الشخصية، حيث اتُهم لقجع في بعض التقارير الإعلامية الإفريقية بـ”التأثير السياسي” على الكاف، لكنه دافع عن نفسه بأن إنجازاته مبنية على العمل الجماعي، ففي مقابلة مع “الجزيرة” في 2025، قال لقجع: “ليست الكرة سياسة بل هي استثمار في الشباب”. ومع ذلك، يظل دوره محوريًا في رفع مستوى المنتخب المغربي، الذي حقق 15 فوزًا متتاليًا في تصفيات كأس العالم 2026، مما يجعله مرشحًا قويًا للمنافسة العالمية، وهي حقيقة ساطعة مثل المستوى الرفيع لتنظيم دورة كأس إفريقيا للأمم الأخيرة.
بدا التنظيم المغربي لكأس إفريقيا 2025، في أعين كثيرين ومنهم من شارك في المنافسات كمدربين ولاعبين، “مفرطًا” في جودته. مفرطًا في الانضباط وفي السلاسة وفي التحكم في التفاصيل. وهذا الإفراط، ويا للمفارقة، هو ما أثار الريبة بدل الإشادة، والحسد بدل التشجيع، والرغبة في التدمير بدل إضافة لبنة. حين ينجح بلد، وهي حالة المغرب اليوم، في تقديم تظاهرة تضاهي في معاييرها تظاهرات عالمية، فإنه لا يكسر فقط سقف التوقعات، بل يكسر أيضًا سردية مريحة تعوَّد عليها الآخرون ويرتاحون فيها ويعفون من النقد اللاذع لعجزهم. هنا يصبح النجاح في حد ذاته مشكلة.
أثارت عقوبات لجنة الانضباط للكاف على المغرب أساسًا غضبًا واسعًا وكبيرًا في المغرب، حيث وصفتها صحيفة “هسبريس” بـ”رفض الاحتجاج المغربي”، معتبرة أنها تكشف عن “توازنات سياسية” داخل الكاف. يقول الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه في هذا السياق: «لا يكره الإنسان من يؤذيه بقدر ما يكره من يجعله يشعر بصِغره» (نيتشه، هكذا تكلم زرادشت). تلخص هذه الفكرة كثيرًا من ردود الأفعال التي رافقت التجربة المغربية في تنظيم كأس إفريقيا الأخيرة للأمم. لم يكن المشكل في التنظيم، بل فيما كشفه التنظيم عن الفوارق بين دول القارة، وعن الإمكانات غير المستغلة لدى الآخرين، وخاصة لدى من يحسب نفسه فيها قائدًا وقوة وحضارة. كان تنظيم المغرب لهذه البطولة نموذجيًا، مقارنة ببطولات سابقة مثل كأس إفريقيا 2019 في مصر التي شهدت مشاكل تنظيمية، مع حضور 80 ألف متفرج دون حوادث، واستخدام تقنيات حديثة مثل VAR بكفاءة عالية وتحت أمطار غزيرة كثيرًا ما تتسبب في مشاكل حتى في ملاعب أوروبية عالمية.
في كرة القدم، كما في الحياة، لا تُغفر القفزات الناجحة والكبيرة بسهولة. يقول المدرب الإسباني بيب غوارديولا، الذي خبر النجاح حد التخمة: «حين تفوز كثيرًا، يبدأ الناس في البحث عن خطئك المقبل، لا عن سر نجاحك» (بيب غوارديولا، حوار مع The Guardian). لا يكون هذا البحث المحموم عن الخطأ بمجرد دافع الحرص على النزاهة، بل بدافع الرغبة في إعادة الجميع إلى مستوى واحد ولو رمزيًا. تكشف عقوبات الكاف على المغرب والسنغال عن أبعاد سياسية عميقة، حيث تسيطر على الكاف تحالفات إفريقية، تجعل في الغالب قراراته متأثرة بالتوازنات السياسية، وهو ما لا يخدم الكرة الإفريقية وصورتها المتدهورة أصلًا عالميًا.
في سياق 2026، مع اقتراب كأس العالم المشتركة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، يسعى المغرب لتعزيز موقعه كقوة إفريقية، لكن هذا الاجتهاد الجميل والمشروع يثير حساسيات في دول أخرى معروفة، ترى في صعود المغرب تهديدًا لنفوذها الذي ليس واقعيًا دائمًا ولا هو قائم بالفعل. كما أن الأبعاد الأيديولوجية تظهر في كيفية استخدام العقوبات كأداة لـ”التوازن الأخلاقي”. يشرح الصحفي الرياضي البريطاني جوناثان ويلسون في هذا السياق هذه الآلية النفسية بقوله: «حين يعجز الخطاب النقدي عن تفكيك منظومة ناجحة، يلجأ إلى الأخلاق بوصفها آخر خط دفاع» (جوناثان ويلسون). هكذا تتحول تفاصيل صغيرة مثل “سلوك جامعي الكرات” إلى مبرر لعقوبات خيالية، رغم أنها جزء من فوضى عامة سببها عن عمد مسؤولون عن منتخب متعطش لفوز بأي ثمن كان لأسباب غير رياضية.
حين تُستعمل الأخلاق بشكل انتقائي فهي تفقد معناها. لا أحد ينكر أن كرة القدم الإفريقية تعاني من اختلالات عميقة، تحكيمية وتنظيمية ومؤسساتية. غير أن تحميل تجربة واحدة أو بلد واحد أو مسؤول واحد وزر كل هذه الاختلالات، ليس نقدًا بل هو هروب جماعي من مواجهة الواقع. في هذا المضمار يقول المدرب الإيطالي أريغو ساكي: «أسهل شيء في كرة القدم هو إيجاد المذنب، وأصعب شيء هو بناء الحل». يمكن مقارنة حالة المغرب بنجاح قطر في كأس العالم 2022، الذي واجه انتقادات سياسية رغم التنظيم المثالي، وهو ما يشير إلى نمط عالمي في معاقبة النجاح غير المتوقع.
ليس من الناجع الدفاع عن المغرب، أو عن أي بلد، بالصراخ ولا بالتخوين، بل بالقدرة على التمييز بين النقد المشروع والتجريح الذي يتغذى على الإحباط. والمواطنة الحقة لا تعني مطالبة شخص واحد بأن يكون معصومًا، بل تعني حماية من يشتغلون بجد من التحول إلى أهداف سهلة عند أول عثرة. فالمنظومات القوية، كما يؤكد الفيلسوف بول ريكور، «هي التي توازن بين المساءلة والإنصاف». أدت عقوبات الكاف على المغرب إلى موجة من الغضب في الشارع المغربي، حيث أعربت منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وإنستغرام عن دعم للمنتخب المغربي، معتبرة العقوبات “عقدة نقص” من الكاف التي ألفت المستويات الهزيلة والتنظيم المليء بالثغرات، وذلك ما يعكس كيف تتحول الكرة إلى رمز للهوية الوطنية، تقوي التلاحم الاجتماعي لكنها تزيد من الانفعال.
شهدت إفريقيا أمثلة مشابهة في الماضي، مثل عقوبات الكاف على مصر في 2010 بعد أحداث مع الجزائر، أو على نيجيريا في 1996 بسبب انسحاب. تظهر هذه الأمثلة أن الرياضة غالبًا ما تكون ساحة للصراعات الاجتماعية، بحيث يُولِّد النجاح حسدًا جماعيًا. فوفقًا لنظرية بورديو ينشأ الحسد من “الرأسمال الرمزي” الذي يكتسبه الناجح، وهو ما يهدد التوازن الاجتماعي في نظر الحاسد.
لقد أثبتت التجربة أن ما قام به فوزي لقجع وفريقه كان جيدًا جدًا واحترافيًا، بل واستثنائيًا في سياقه القاري. غير أن الاستثنائية لا تعني الكمال ولا القدرة على التحكم في كل المتغيرات، خصوصًا حين تكون المنافسة شديدة وأحيانًا غير عادلة وغير قانونية وربما غير أخلاقية. يصبح الفشل النسبي جزءًا من اللعبة في مثل هذه السياقات، وليس دليل إدانة. يحذر المدرب الألماني يورغن كلوب من هذا المنزلق بقوله: «إذا حولنا كل خسارة إلى محاكمة، فلن نترك مجالًا للتطور». ينطبق هذا المنطق على الأندية كما على المنتخبات وعلى المؤسسات، فالتقدم لا يُقاس بخلو المسار من العثرات، بل بالقدرة على النهوض بعد العثرة وعلى التعلم منها دون تدمير ما بُني، بل تطويره.
يذكرنا أورتيغا إي غاسيت من منظور فلسفي بأن «المجتمع يتقدم دائمًا بفضل أقلية تزعج أغلبيته».
ها قد أصبحت المملكة المغربية تحت قيادة عاهلها الحكيم ضمن هذه الأقلية التي تزعج التوازن القاري، ولعمري فإن ذلك يدعو إلى قراءة موضوعية للإنجازات بدلاً من الانفعال.
لا بد من الاعتراف في النهاية بحقيقة قد تكون مزعجة، تتلخص في أن الجماعات كثيرًا ما لا تحب من يتقدمها كثيرًا، فهي تبحث عن الاستقرار فيما هي عليه، أكثر مما تبحث عن التميُّز.
لكن التاريخ لا يكتبه من حافظوا على المتوسط والعادي والمألوف والقائم والمعطى، بل من تجرؤوا على كسره والتحليق بعيدًا عنه. يصبح واجب اللحظة من هذا المنطلق هو حماية منطق البناء من ضجيج الهدم، والتمييز بين النقد الذي يُصلح والنقد الذي يُرضي غرائز الإحباط. فالمغرب في تجربته الكروية، لم يرتكب خطيئة التفوق، وإنما طرح سؤالًا صعبًا على محيطه:
وهذا سؤال، كما علمتنا الفلسفة والتاريخ والرياضة، لا يُجاب عنه بالاتهام، وإنما بالعمل. ومع اقتراب كأس العالم 2026، يجب على المغرب الاستمرار في الاستثمار، محولاً هذه العقوبات إلى دافع للتحسين والتطوير أكثر، ليثبت لنفسه أولاً قبل الآخر المتمسك بالمكوث في القاع، بأن النجاح ليس جريمة، بل حق مشروع نبيل، وهو في الواقع سمو إنساني.
المصدر:
هسبريس