تتجاوز منافسات كأس إفريقيا للأمم “كان المغرب 2025” حدود المستطيل الأخضر لتكشف عن “بون شاسع” بين عقليتيْن؛ “عقلية الأعذار” التي تحاول تبرير الإخفاق الرياضي عبر خلق أساطير وهمية وانتهاج سياسة “لعب دور الضحية”، وعقلية العمل الجاد التي تفرض سيادتها بالنتائج الملموسة والجهد البدني والتقني. فبينما تنشغل أطراف بمحاولة تعليق فشلها على مشاجب واهية، كالادعاءات الزائفة حول ظروف الإقامة أو التباكي على عوامل خارجية، يثبت الواقع أن التفوق في الميدان هو المعيار الوحيد الذي يحترم منطق البطولة، بعيدا عن “الفلسفة البكائية” التي لا يراها أحد غيرُ صانعيها لتبرير “عجزهم التكتيكي” أمام قوة الخصوم.
في المقابل، قدّم المغرب-ولا يزال-نموذجا متفردا للروح الرياضية القائمة على الجدارة والاستحقاق، حيث لم يكن التأهل والتميز وليد الصدفة، بل ثمرة ثورة كروية شاملة وتخطيط استراتيجي طويل الأمد يترفّع عن “لغة التذمر”.
ويرى محللون رياضيون، خَبِروا الملاعب الإفريقية، أن مواجهة كبار القارة بروح قتالية واحترام كامل للمنافسين يعكس نضجا رياضيا يؤمن بأن الميدان هو الفيصل، وأن “الزمن لا يُبقي إلا الأجدر بالبقاء”، بفضل الاستثمار في التكوين والعمل والاجتهاد، بدلا من استنزاف الطاقات في تسويق الوهم وتزييف الحقائق للهروب من مسؤولية الفشل الرياضي.
محمد التويجر، إعلامي مغربي رياضي، أشاد بـ”النّدية العالية والروح الرياضية اللتين سادتا خلال مواجهة نصف النهائي”، مستحضرا دلالة “الاعتراف المتبادل”؛ فقد أثنى على إشادة مدرب نيجيريا، إريك شيل، بعمل وليد الركراكي، واصفا إياها بـ”الاحترافية والابتعاد عن لغة الأعذار”، خاصة بعد إقراره بـ”شلّ حركة الخصم”، وتفوق “أسود الأطلس” “تكتيكيا”، مع دور حاسم للحارس ياسين بونو كـ”صمّام أمان”.
التويجر انتقد بشدة محاولات بعض الأطراف في مصر والجزائر تعليق فَشَلهم الرياضي على “شمّاعة العوامل الخارجية”، وفند “ادعاءات الإقامة”، مستنكرا بشدة التصريحات التي قلّلت من جودة فنادق المغرب، مؤكدا أن “مدينتَي أكادير وطنجة وفرتا مرافق إقامة وتدريب من الطراز العالمي لا يمكن التشكيك في جودتها”.
كما أثار الانتباه إلى “الهروب من المسؤولية”، لأن “تصريحات حسام حسن وغيره من المحللين هي محاولة لامتصاص غضب الجماهير وتصدير الأزمة إلى جهات أخرى بدلا من الاعتراف بالتقصير الفني”، منتقدا ما وصفها بـ”عقلية الضحية”، وشدد على أن “الفلسفة البكائية” لن تجدي نفعا، وأن “من يجتهد في الميدان هو من يستحق الوصول”.
وبخصوص المواجهة القادمة ضد السنغال، أكد التويجر أن “اللقاء يكتسي صبغة خاصة تتجاوز حدود الملعب”؛ فـ”العلاقات المغربية السنغالية ضاربة في العمق. تجمعنا روابط روحية متينة تتمثل في الزاوية التجانية والقيم الإسلامية المشتركة. نحن إخوة قبل أن نكون منافسين، والروح الرياضية هي مَن سينتصر في النهاية”، بتعبيره.
الخبير الرياضي والإطار التقني الوطني عزيز داودة يرى أن الأدوار الإقصائية (ثمن، ربع ونصف النهائي) وصولا إلى المباراة النهائية، شهدت تأهل أفضل الفرق الإفريقية وأكثرها جاهزية. وأشار إلى أن وصول المصنفَيْن الأول والثاني إفريقيا حسب ترتيب “فيفا” إلى النهائي هو “تجسيد حقيقي لمنطق الكفاءة”، معتبرا أن “أيّ فريق لم يتأهل فهو ببساطة لا يملك مستوى المنتخب المغربي أو السنغالي”.
وفي هذا السياق وجّه المحلل الرياضي انتقادات لاذعة لردود أفعال بعض منتخبات شمال إفريقيا (دون تسميتها صراحة)، واصفا إياها بـ”التباكي والندب”.
وأوضح داودة أن “هذه الفرق تعترف بالاستحقاق فقط عند الفوز، لكنها عند الهزيمة تعزو فشلها لأسباب واهية وأساطير تخلُقها هي لنفسها ولا يراها أحد غيرها”. وتابع رابطا بين هذا السلوك الرياضي و”سياسة لعب دور الضحية” التي ينتهجها أولئك الأطراف في حياتهم اليومية وسياستهم، واصفا إياهم بـ”ضحايا الوهم”، مشيرا إلى أن “الزمن لا يُبقي إلا الأقوى والأجدر بالبقاء ومن يركز على العمل والجهد بدلا من العيش في بؤس فكري ومحاولة إسقاطه على الآخرين”.
كما عرّج المتحدث لهسبريس على “الحالة الإعلامية في مصر”، معتبرا أن المغرب وصل مرحلة من التطور تجعل “من غير المُجدي الالتفات لمثل هذه التشويشات”. واستحضر مَن وصفهم بـ “المدرّبين المرتزقة” في إفريقيا (المدربين الأجانب) الذين يحاولون تبرير فشلهم التقني والتكتيكي عبر توجيه اتهامات خارجية لا أساس لها من الصحة”.
وأكد داودة أن “المغاربة يعرفون طريقهم جيدا، وأن كل المنصفين والعقلاء الذين زاروا المغرب يشيدون بحفاوة الاستقبال، وتطور البنية التحتية، والإيجابية التي تطبع البلاد، بعيدا عن الأصوات ‘المريضة’ التي تحاول تزييف الواقع”.
وشدد على أن “بناء كرة قدم عالمية يتطلب استراتيجية عمل تمتد لقرابة عشر سنوات، وهو ما انخرط فيه المغرب منذ فترة وبدأ يجني ثماره اليوم”، موردا أن “هذا النجاح هو ثمرة تلاقٍ بين الإرادة الملكية السامية لجلالة الملك محمد السادس، الذي وضع النهوض بالكرة المغربية كهدف استراتيجي، وبين وجود كفاءات استوعبت التعليمات الملكية وطبقتها بدقة واحترافية”.
إجمالا، اعتبر داودة أن الفوز بكأس إفريقيا هو “الهدف المنطقي الذي يتوِّج هذه المجهودات الجبارة والاستثمارات البشرية والمالية”، راصدا أن “القوة الحالية للكرة المغربية تكمن في قدرتها على الاستمرار والنمو، بعيدا عن منطق الصدفة، وبناء على أسس متينة من العمل والاحترافية”.
المصدر:
هسبريس