هبة بريس _عبد اللطيف بركة
كلما طفت إلى السطح محاولات توظيف الرياضة لخلق توترات مصطنعة بين الشعوب مع الأجيال الحالية ، يعود التاريخ ليكشف حقائق راسخة لا تقبل التحريف، فالعلاقات المغربية-الجزائرية، بعيدًا عن خطابات التصعيد، تشهد على مواقف إنسانية وتاريخية ثابتة، كان أبرزها دعم المغرب الصريح لنضال الشعب الجزائري من أجل الاستقلال، حتى في الميادين الرياضية.
في أواخر خمسينيات القرن الماضي، وتحديدًا سنة 1958، اتخذ المغرب قرارًا سياديا شجاعا حين خاض المنتخب المغربي مباراة ودية مع منتخب جبهة التحرير الوطني الجزائري، في خطوة حملت دلالات سياسية وإنسانية عميقة.
هذا الموقف لم يمر دون تبعات، إذ أقدمت الفيفا آنذاك على معاقبة المغرب بالإيقاف لمدة عام كامل، ما حرمه من المشاركة في أول نسخة لكأس إفريقيا للأمم سنة 1959 بمصر، رغم جاهزيته وحظوظه القوية في المنافسة.
وخلال تلك المرحلة، فتح المغرب أراضيه أمام المنتخب الجزائري، حيث احتضنت مدن الرباط والدار البيضاء عدة مباريات رسمية وشعبية، حضر بعضها الملك الراحل محمد الخامس وولي العهد آنذاك، ولم تكن تلك اللقاءات مجرد مواجهات رياضية، بل تحولت إلى فضاءات للتعبئة والدعم وجمع التبرعات لفائدة الثورة الجزائرية، في تحدٍ واضح للضغوط الفرنسية ومحاولات العزل الدولي.
هذا الامتداد التاريخي يعكس أن دعم المغرب للجزائر لم يكن ظرفيًا ولا مرتبطًا بحسابات آنية، بل كان خيارا مبدئيا نابعا من قناعة راسخة بوحدة المصير المغاربي، وبأن الرياضة يمكن أن تكون جسرا للنضال والحرية، لا أداة للتفرقة.
وفي سياق الجدل المثار تزامنا مع مشاركة المنتخب الجزائري في كأس إفريقيا للأمم 2025 بالمغرب، تبرز هذه الصفحات من التاريخ كجواب عملي على محاولات التشويش وبث الفتنة عبر منصات التواصل الاجتماعي، فالمغرب، الذي ضحّى بمشاركته القارية دفاعًا عن قضية الجزائر بالأمس، يواصل اليوم التزامه بنهج الانفتاح والروح الرياضية، واضعًا التنظيم الناجح والاحترام المتبادل فوق كل اعتبار.
التاريخ لا يُختزل في منشورات عابرة، ولا يُمحى بحملات ممنهجة، بل يبقى شاهدًا على المواقف الكبرى، وموقف المغرب من الجزائر كان وسيظل جزءًا من ذاكرة لا تنسى.
المصدر:
هبة بريس