اعتبر أحمد بوز، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن المشهد السياسي المغربي الحالي يمر بأزمة عزوف و”انقطاع التيار” بين المواطنين والعمل الحزبي، على نحو “أكثر خطورة من أزمة 2007″، مشددا على أن المعطى الأكثر إثارة للانتباه في الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة هو “انتصار حزب المقاطعين والمقاطعات واكتساحهم لنتائج الاقتراع”، رغم ارتفاع عدد المغاربة المسجلين في اللوائح الانتخابية، ما يعكس، بحسبه، عمق الفجوة المتزايدة بين الممارسة السياسية وتطلعات الشارع المغربي.

وأوضح الباحث في العلوم السياسية، خلال حلوله ضيفا على برنامج “نبض العمق”، اليوم الثلاثاء 29 شتنبر 2026، أن ارتفاع عدد المسجلين ضمن اللوائح الانتخابية لم يمنع تتالي مؤشرات النفور وتصاعد أعداد المقاطعين، ما اعتبره مساهما في تعميق ظاهرة “التصحر الانتخابي”.

ويرى الباحث في العلوم السياسية أن متلازمة العزوف لن تفارق المشهد السياسي بالمغرب، لكونها تعبر عن “حالة من التمرد والنفور العام”، التي تتجلى تعبيراتها بشكل واضح بين أوساط المثقفين والفئات المتعلمة.

وربط أستاذ العلوم السياسية الأزمة الراهنة بعملية “بلترة الطبقة الوسطى” و”تآكلها”، مشيرا إلى أن المغاربة عاشوا “خمس سنوات من التعذيب الحقيقي”، فبدلا من أن تنشغل “الطبقة الوسطى” بالاهتمامات السياسية بما يضمن الاستقرار، أصبحت منهمكة جراء تراكم الديون والتفاوتات الاجتماعية الصارخة، وأضحت تعيش، بحسبه، تحت وطأة تحكم الأقلية في ثروات هائلة، مما أفقدها استقلاليتها وأرهنها لظروف مادية تبعدها عن العملية الانتخابية.

وفي تحليله لتأثير حراك “جيل Z” والسخط الشعبي، أوضح بوز أن النتائج جاءت وفق ثلاثة تأثيرات رئيسية؛ أولها أن نتائج حزب العدالة والتنمية وتحالف اليسار لا تنفصل عن أحداث جيل Z وحالة “التمرد”، معتبرا أن هذه الأحزاب، خاصة اليسارية منها، استثمرت مثل هذه الأحداث “لاقتناء زبائن جدد”.

أما التأثير الثاني، فتمثل في تفجر هذه الأحداث في نتائج حزب التجمع الوطني للأحرار وانعكاسها سلبا على أرقامه، حيث نال عقابه بوضوح وفقد نسبة كبيرة من مقاعده، لينتقل من 102 مقعد سنة 2021 إلى 66 مقعدا برلمانيا.

وأشار الباحث إلى أنه رغم مشاركة أحزاب أخرى في التحالف الحكومي، إلا أن جل المغاربة ركزوا اهتمامهم على حزب الأحرار، لأن المغاربة عادة لا يعاقبون المشارك في الحكومة، بل الذي “يقودها”، وهو في معظم الأحيان “وكيل اللائحة”.

وأوضح بوز أن العلاقة بين الاحتجاجات والنتائج المتعلقة بترتيب الأحزاب وتصدر بعضها للمشهد “لا تخطئها العين، ولا يمكن للتحليل أن يقفز عليها”.

ونفى الأكاديمي المزاعم القائلة بأن المغاربة لم يصوتوا لأنهم “مطمئنون للمرحلة”، متأسفا في الوقت ذاته لعدم سماح الجهات المعنية بالقيام باستطلاعات رأي تتيح استجواب المواطنين الذين تظل أصواتهم خارج صناديق الاقتراع.

وعلى صعيد آليات الحسم الانتخابي، شدد بوز على أن البرامج الانتخابية أو السياسة ليست هي المتحكم الأبرز في العملية الانتخابية، وإنما المحددات السوسيولوجية، متمثلة في “البنية القبلية والعائلية”، هي التي حسمت الاستحقاقات؛ إذ لعبت الدوائر التي “يلفها العالم القروي”، على حد قوله، دورا وظيفيا في حسم الانتخابات، موضحا أن التصويت السياسي كان عامل ارتقاء مهم في الدوائر الانتخابية التي ضمت ستة أو سبعة مقاعد، بينما كانت نتائجه محدودة في باقي الدوائر، ما يعد دليلا آخر، بحسبه، على أن العالم القروي ما زال “يدافع عن المؤسسات المنتخبة”.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن السلوك الانتخابي المنضبط للاختيارات تصنعه الطبقة المتعلمة والواعية، رغم أن جزءا يسيرا منها فقط هو من يشارك في “السوق الانتخابية”، بينما يظل القسم الأكبر خارجها، دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه مقاطع.

وعن إعادة إنتاج الرتابة السياسية و”التصحر الانتخابي”، حمل بوز المسؤولية للطبقة السياسية والمعارضة والمجتمع؛ فإذا كانت التجربة الحكومية قد ساهمت في “تعميق الأزمة” بسبب ملفات غلاء الأسعار، وتضارب المصالح، ومتابعة أزيد من ثلاثين منتخبا معتقلا بتهم مختلفة، فضلا عن تقديمها لوعود انتخابية واهية ترتكن إلى استخدام “لاعقلاني للأرقام”، على حد قوله، فإن المعارضة في المقابل “لم تنجح في تقديم عرض وخطاب سياسيين قادرين على توجيه المواطن إلى صناديق الاقتراع”، مما أدى إلى فشل الأحزاب في الاقتراب من الشارع.

وقد صرح بوز أنه لا يجد حرجا في “مساءلة المجتمع”، منتقدا أولئك “الذين يقبلون التصويت بناء على مغريات مادية” ويتلقون رشوة سياسية، معتبرا إياهم جزءا من المشكلة.

واختتم أحمد بوز بالتدقيق في رهانات المرحلة القادمة، مؤكدا أنه بعد انقضاء هذه “الجلبة”، ستصطدم الأحزاب المتصدرة بواقع نتائج “لا تمتح من الشرعية السياسية الكافية”.

ووجه الباحث في العلوم السياسية رسالة مباشرة للنخبة السياسية مفادها أن الحزب الفائز لا ينبغي أن يتعامل بنوع من “الاحتفالية”، لأن المعطيات تتغير على الدوام، مشددا على ضرورة الاشتغال على الإشكالات الاجتماعية والمؤشرات الاقتصادية بعيدا عن “التجميل”.

وقد حذر بوز من أن الطبقة السياسية باتت تنظر للمغرب بمنظار الصورة الخارجية فقط، متناسية المعطيات الداخلية التي تصنع “بنية من الهشاشة… تأكل الأخضر واليابس”، والتي ظهرت، بحسبه، مؤشراتها مع احتجاجات جيل Z وقضية سبتة المحتلة.

وأبرز بوز أن الحياة السياسية لا يمكن استيرادها من “السويد أو النرويج”، وإنما تنطلق من المكونات الحاضرة، وأن المطلوب اليوم هو إعادة الثقة للمواطن عبر عمل جماعي تنخرط فيه الدولة والطبقة السياسية والإعلام، لأن السياسة، بحسب تعبيره، قد “تغيب أو تمرض”، لكنها لا تنفك تعود بمجرد أن يكتشف المواطن حزبا يمثله أو يمنحه فرصة لمعاقبة من يخذله.