لم يكن عبد العزيز باريك، المعروف على مواقع التواصل الاجتماعي باسم أسامة باريك، واحدا من الأسماء التي صنعتها الأجهزة الحزبية أو راكمت سنوات من العمل داخل المجالس المنتخبة. جاء إلى انتخابات 23 شتنبر من مسار مختلف، بدأ من شاشة الهاتف وقرى الأطلس ومقاطع فيديو جعلت مشاكل الطرق والثلوج والعزلة والخدمات الأساسية مادته اليومية.
وبعد سنوات من بناء جمهوره في الفضاء الرقمي، انتقل باريك، البالغ 28 عاما، من مخاطبة متابعيه عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى مقعد في مجلس النواب، بعدما فاز عن دائرة ميدلت باسم حزب الوحدة والديمقراطية، مانحا هذا الحزب مقعده الوحيد في الانتخابات التشريعية لعام 2026.
مرشح “آوت سايدر”
تقدم قصة باريك نموذجا مغربيا لما يعرف في الأدبيات السياسية بـ”الآوت سايدر”، أي المرشح القادم من خارج المسارات التقليدية لصناعة السياسيين، والذي يستند في صعوده إلى رصيد شخصي أو مهني أو إعلامي أكثر مما يستند إلى قوة التنظيم الحزبي.
وفي حالة باريك تبدو المفارقة أكثر وضوحا، فبدلا من أن يكون الحزب هو الذي صنع المرشح وأوصله إلى الناخبين، جاء المرشح إلى الحزب وهو يحمل سلفا جمهوره واسمه ورصيده الرقمي، قبل أن توفر له التزكية الحزبية الممر القانوني إلى صناديق الاقتراع.
ابن الجبل
ولد باريك في 15 ماي 1998 وينحدر من قرية أسنتاث التابعة لجماعة بوزمو بإقليم ميدلت، ويحمل إجازة في الجغرافيا. وكانت تجربته الشخصية في منطقة جبلية تعاني من قسوة المناخ وبعد المؤسسات والخدمات جزءا أساسيا من الخطاب الذي بنى عليه حضوره على مواقع التواصل الاجتماعي.
وكان يتحدث أمام الكاميرا عن تلاميذ يقطعون مسافات طويلة للوصول إلى مدارسهم، وعن الثلوج التي تعزل القرى وصعوبة نقل المرضى ووصول السيارات إلى بعض المناطق، كما تناول أوضاع الداخليات والكهرباء والإنترنت والطرق. وبمرور الوقت تحولت صفحاته من مجرد حسابات شخصية إلى منصة محلية للترافع حول قضايا إملشيل والمناطق الجبلية في إقليم ميدلت.
الرصيد الرقمي
خاض باريك أول تجربة تشريعية باسم حزب الوحدة والديمقراطية، وهو حزب مغمور، في دائرة تتنافس على ثلاثة مقاعد وفي مواجهة أسماء لها حضور انتخابي وسياسي محلي سابق.
وتشير المعطيات الأولية التي نشرتها وسائل إعلام إلى أنه تصدر المنافسة بحصوله على 32 ألفا و684 صوتا، في نتيجة لافتة لمرشح يخوض تجربته التشريعية الأولى تحت مظلة حزب لا يملك حضورا انتخابيا يضاهي الأحزاب الرئيسية المنافسة في الدائرة.
ولم تكن دلالة النتيجة في عدد الأصوات وحده، وإنما أيضا في المسار الذي قاد إليها، إذ لم يحتج باريك، كما يحدث غالبا مع الوجوه الجديدة، إلى حزب كبير يمنحه الشهرة أو شبكة واسعة من المنتخبين المحليين لتعريف الناخبين به، فقد كان معروفا قبل أن يصبح مرشحا واستمرت حملته الانتخابية إلى حد بعيد بالوسائل نفسها التي بنى بها حضوره، من خلال الفيديو والهاتف المحمول والتواصل المباشر عبر المنصات الرقمية.
قلب المعادلة
تبرز خصوصية حالة ميدلت في أن وسائل التواصل لم تعد مجرد أداة إضافية في حملة انتخابية تقليدية، بل أصبحت في حالة باريك المجال الذي تشكلت فيه الشخصية السياسية قبل دخولها الحزب أصلا.
ويضع ذلك العلاقة التقليدية بين الحزب والمرشح في اتجاه معاكس. ففي النموذج الحزبي المعتاد توفر المؤسسة السياسية للمرشح الاسم والتنظيم والشبكة الانتخابية والموارد، أما في نموذج “الآوت سايدر” الرقمي فيأتي المرشح ومعه جمهوره ورصيده الشخصي، ثم يبحث عن حزب يوفر له التزكية الضرورية لدخول المنافسة الانتخابية.
وفي حالة باريك، وجد المرشح القادم من مواقع التواصل الاجتماعي في حزب الوحدة والديمقراطية الإطار الذي سمح له بخوض الانتخابات، فيما وجد الحزب في المقابل مرشحا يملك قاعدة من المتابعين وحضورا محليا سبق دخوله السباق الانتخابي.
اختبار البرلمان
لكن النجاح الذي أوصل باريك إلى مجلس النواب يفتح أمامه تحديا مختلفا عن تحدي الانتخابات، فإذا كان حضوره الشخصي ورصيده الرقمي قد ساهما في الفوز بمقعد، فإن العمل داخل البرلمان يقوم إلى حد كبير على بنية جماعية تنظمها الفرق والمجموعات النيابية.
ويشترط النظام الداخلي لمجلس النواب ما لا يقل عن 20 نائبا لتكوين فريق وأربعة نواب لتشكيل مجموعة نيابية، بينما يتيح للنائب غير المنتمي إلى فريق أو مجموعة الانتساب إلى أحدهما بعد تأسيسه. ويعترف النظام الداخلي كذلك بالنواب غير المنتسبين ويتيح لهم بعض إمكانات المشاركة، غير أن جانبا مهما من العمل البرلماني وتنظيم المناقشات والأسئلة وتوزيع الزمن يقوم على التمثيل النسبي للفرق والمجموعات.
وبذلك تبدأ بالنسبة إلى باريك مرحلة قد تكون أكثر تعقيدا من الحملة نفسها، إذ سيكون عليه تحويل نفوذ رقمي وشعبية محلية إلى حضور داخل مؤسسة تحكمها قواعد تنظيمية وتحالفات وتوازنات حزبية، بينما سيكون مطالبا في الوقت نفسه بحمل انتظارات منطقة واسعة ارتبط اسمه بالدفاع عن مشاكلها قبل دخوله البرلمان.
من الشاشة للمؤسسة
تختصر حالة باريك تحولا بدأ يفرض نفسه على السياسة مع تراجع احتكار الأحزاب للطريق إلى الجمهور، بعدما أتاحت شبكات التواصل الاجتماعي لأفراد بناء جمهورهم الخاص خارج التنظيمات السياسية، ثم محاولة تحويل هذا الرصيد الرقمي إلى أصوات في صناديق الاقتراع.
وفي ميدلت نجحت التجربة في اختبارها الأول، بعدما تمكن شاب قادم من قرية جبلية، صنع اسمه أساسا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من الحصول على تزكية حزب محدود الحضور وخوض الانتخابات باسمه والفوز بمقعد في مجلس النواب.
أما الاختبار الثاني فيبدأ داخل البرلمان، حيث لم يعد السؤال كيف استطاع أسامة باريك الوصول إلى المؤسسة التشريعية، وإنما كيف سيتعامل مرشح “الآوت سايدر”، القادم من خارج البنيات الحزبية التقليدية والوحيد عن حزبه داخل المجلس، مع قواعد مؤسسة تختلف أدوات التأثير فيها عن تلك التي صنعت حضوره وشعبيته خارجها.
المصدر:
لكم