أكدت جمعية “أطاك المغرب” أن نتائج الانتخابات التشريعية لم تكن صادمة ولا غير متوقعة، فأي متتبع للشأن السياسي في المغرب كان يستطيع أن يدرك أن اللوحة التي ستُدار من خلالها المرحلة المقبلة قد رُسمت إلى حد بعيد قبل فتح صناديق الاقتراع.
ووأوضحت الجمعية في مقال لعضوتها أسماء المنضور، أن المنافسة الانتخابية تمت داخل حدود سياسية، وفي ظل اختيارات استراتيجية جرى تحديد اتجاهاتها مسبقاً. لذلك لم تكن الانتخابات، في جوهرها، مناسبة للتنافس حول برامج انتخابية متباينة أو اختيارات سياسية واقتصادية متعارضة، بقدر ما كانت محطة للإعلان عن الواجهة التي ستتولى تدبير مرحلة جرى إعدادها سلفاً، عنوانها الأبرز المونديال.
وأضافت أنه من هنا لم يكن الحديث عن «حكومة المونديال»، الذي تصدر واجهات الإعلام قبل الانتخابات، مجرد اجتهاد أو توصيف صحفي عابر للحكومة المقبلة. فالمغرب يدخل فعلاً مرحلة ستُعبّأ فيها موارد واستثمارات ضخمة للبنية التحتية والنقل والملاعب وغيرها من الأوراش المرتبطة باستضافة كأس العالم 2030، فيما كان انتقال فوزي لقجع، المسؤول عن تدبير كرة القدم المغربية ورئيس لجنة تنظيم المونديال، إلى قيادة حزب الأصالة والمعاصرة قبيل الانتخابات، من أبرز الأحداث السياسية التي سبقت الاقتراع، وحمل في دلالته السياسية مؤشراً واضحاً على طبيعة المرحلة والاختيارات التي ستطبعها.
وأشار أنه إذا كانت نتائج الانتخابات لم تحمل مفاجأة كبيرة، فإن الرقم الأكثر دلالة فيها ربما لا يوجد في عدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب، وإنما في نسبة المشاركة التي لم تتجاوز 38.02 في المائة. وهي نسبة تقل بأكثر من 12 نقطة عن انتخابات 2021، التي بلغت فيها المشاركة 50.35 في المائة، كما أنها تمثل أدنى مستوى للمشاركة في الانتخابات التشريعية منذ 2007.
وأكدت أنه لا يمكن اختزال أرقام المشاركة في مجرد «عزوف انتخابي»، وكأن الأمر يتعلق بسلوك فردي لمواطنين فقدوا الاهتمام بالسياسة. فحين لا يشارك سوى أقل من أربعة من كل عشرة مسجلين في اختيار البرلمان، وحين لا يمثل المسجلون أنفسهم سوى جزء من مجموع المواطنين المؤهلين للتصويت، فإن المسألة تتجاوز سلوك الناخب لتصبح مؤشراً على طبيعة العلاقة القائمة بين المجتمع والمؤسسات المنتخبة. وتزداد المفارقة وضوحاً حين نضع هذه الأرقام على بعد عام واحد من حراك جيل زد، الذي أظهر أن جزءاً من الشباب المغربي ليس بعيداً عن السياسة ولا غير مكترث بالشأن العام، بل قادراً على التعبئة والاحتجاج وطرح مطالب اجتماعية وسياسية خارج القنوات الانتخابية التقليدية.
ولفتت إلى أن الانتخابات ونحن على أبواب تخليد الذكرى الأولى لانطلاق حراك جيل زد، الذي بصم مشهد الاحتجاجات في المغرب السنة الماضية، حيث احتل الشباب الفضاءات، من الديسكورد إلى الساحات العمومية، مطالبين بالصحة والتعليم والشغل والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد، ومنتقدين في الوقت نفسه أولويات الإنفاق العمومي المرتبطة بالمنافسات الرياضية الكبرى. وقد كان الحراك، في جزء أساسي منه، تعبيراً عن جيل يمارس السياسة خارج الأحزاب وخارج المؤسسات، ويصوغ مطالبه وأشكال تعبئته بوسائله الخاصة وفي فضاءاته الخاصة.
وشددت على أن أحداث سبتة الأخيرة كانت التعبير الأكثر قسوة عن انسداد هذا الأفق وفقدان الأمل الذي يعيشه الشباب. فقد أصبح البحر ملاذاً لعشرات الآلاف ممن اختاروا الهرب والفرار من واقع لم يجدوا فيه ما يكفي من أسباب البقاء والأمل. شباب يغامرون بحياتهم للوصول إلى الضفة الأخرى، بينما يُطلب منهم في الضفة التي ولدوا فيها أن ينتظروا، وأن يتكيفوا مع البطالة وضيق الأفق، ثم أن يمارسوا «مواطنتهم» بالتصويت على من سيؤثث واجهة الاستبداد.
وتابعت:” الآن وقد أُسدل الستار على الانتخابات، ستُدفع البلاد نحو مرحلة جديدة عنوانها المعلن «حكومة المونديال». وسيكون الجرار، الذي انتقل إلى مقدمة الواجهة، مطالباً بأن يشق الطريق أمام هذه المرحلة بأقصى قوته، أملاً في نيل رضى من عينه لهذه المهمة: مشاريع كبرى، استثمارات ضخمة، أوراش وبنيات تحتية، وتسريع كل ما يجعل المغرب جاهزاً للحدث العالمي. لكن خلف بريق الملاعب والطرق والمشاريع سيظل السؤال الذي حمله حراك جيل زد قائماً: ماذا عن المدرسة والمستشفى العمومين؟ ماذا عن الشغل والكرامة؟ وأهم سؤال: من قرر هذه المشاريع ومن سيدفع ثمنها ؟.
وخلثت إلى أن استمرار هذا المسار، في ظل الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية نفسها، لن يؤدي إلا إلى تعميق التناقضات الاجتماعية. فبينما تُعبّأ الموارد والإمكانات للأوراش الكبرى، تظل الأغلبية الشعبية تواجه البطالة والهشاشة وتدهور الخدمات العمومية وارتفاع كلفة المعيشة. وما ينتظر شعبنا، والحالة هذه، ليس نهاية الأزمة، بل موجات جديدة من البؤس والتهميش والاحتقان الاجتماعي، فالجرار قد ينطلق بأقصى سرعته، وقد تُفتح أمامه كل الطرق، لكنه لن يستطيع أن يلغي الأسئلة التي خرج بها حراك جيل زد إلى الشارع قبل عام.
المصدر:
لكم