أثارت تصريحات القيادية الاستقلالية والوزيرة السابقة ياسمينة بادو بشأن عدة الوفاة نقاشا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، بين من اعتبر أن التطورات العلمية والتحولات التي عرفها المجتمع تستدعي إعادة فتح النقاش حول بعض مقتضيات مدونة الأسرة، وبين من شدد على أن العدة حكم شرعي منصوص عليه، ولا يمكن اختزاله في مسألة إثبات الحمل أو النسب.
وكانت بادو قد وصفت العدة بأنها إجراء مفروض على المرأة وحدها، معتبرة أنها تمثل “تمييزا إضافيا ضدها”، مضيفة أنها تشكل “مقتضى من مقتضيات مدونة الأسرة يبدو لي فاقدا للمعنى والمنطق”، داعية إلى إصلاح شامل وعميق للمدونة.
وجاء موقف الوزيرة السابقة في تدوينة نشرتها على صفحتها بموقع “فيسبوك”، بمناسبة انتهاء عدتها، بعد مرور أربعة أشهر وعشرة أيام على وفاة زوجها علي الفاسي الفهري، المدير العام الأسبق للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب.
وقالت إن هذه المدة “لا تعني لي، في الحقيقة، شيئا يمكن تفسيره بالعقل والمنطق”، موضحة أنها لا تعني نهاية الحداد أو الألم أو الشعور بالفقد، كما ربطت جدوى العدة بالتطور العلمي، ولا سيما إمكانية إثبات النسب بواسطة تحليل الحمض النووي.
وأعاد هذا الموقف إلى الواجهة سؤالا حول طبيعة العدة ومبرراتها، وحدود إعادة النظر في بعض مقتضيات مدونة الأسرة، وما إذا كان تطور العلوم والتحولات الاجتماعية يمكن أن يشكل أساسا لإعادة قراءة بعض الأحكام المرتبطة بالأسرة، مقابل رأي يعتبر أن العدة تستند إلى حكم شرعي صريح ولا يمكن تجاوزها بدعوى التطور العلمي.
وفي هذا السياق، أكد لحسن بن إبراهيم سكنفل، رئيس المجلس العلمي المحلي لعمالة الصخيرات تمارة، أن العدة، سواء تعلق الأمر بالطلاق أو بوفاة الزوج، “أمر شرعي ورد في القرآن صريحا”، ولا يجوز تجاوزها بدعوى أن تقدم العلوم الطبية، خصوصا ما يتعلق بالحمض النووي، يلغي الحاجة إليها.
واعتبر سكنفل، في تصريح لـ”العمق”، أن العدة “أمر شرعي تعبدي”، موضحا أن ما توصل إليه الإنسان اليوم في مجال العلوم يمكن أن يعرف تطورا مستقبلا، ولذلك لا يمكن اعتبار ما توصل إليه البحث العلمي في مرحلة معينة حاسما في إسقاط حكم شرعي.
وفي هذا السياق، أشار إلى أنه سبق أن قرأ أن رحم المرأة يبقى فيه أثر ناتج عن العلاقة الجنسية مع زوجها ولا يزول إلا بمضي ثلاثة قروء، موضحا أن عدة الوفاة فيها “حقا لله وحقا للزوج”.
وردا على اعتبار بادو أن فرض العدة على المرأة وحدها يمثل تمييزا ضدها، أوضح سكنفل أن اختصاص المرأة بالعدة يرتبط بطبيعتها البيولوجية، باعتبار أن رحمها هو المكان الذي يتكون فيه الجنين ويصل إليه ماء الرجل، معتبرا أن طهارة ذلك الرحم بعد الطلاق أو وفاة الزوج أمر ضروري.
وشدد رئيس المجلس العلمي المحلي لعمالة الصخيرات تمارة على أن تخصيص المرأة بالعدة “أمر إلهي” وليس رأيا بشريا فرضه الرجل على المرأة، مشيرا في المقابل إلى أن الرجل والمرأة يشتركان في حكم آخر مرتبط بالعلاقة الجنسية، وهو الاغتسال من الجنابة لإزالة الجنابة حتى يتمكنا من أداء الصلاة.
وأضاف أن المرأة المسلمة مطالبة باستحضار كونها مخاطبة من الله تعالى، فيما لا يعد الفقه -بحسب تعبيره- سوى تبليغ وبيان للحكم الشرعي.
وبخصوص الدعوات المطالبة بمراجعة بعض مقتضيات مدونة الأسرة، أوضح سكنفل أن الاجتهاد الفقهي كان وراء بناء الثروة الفقهية الإسلامية، ابتداء من عصر النبي صلى الله عليه وسلم، ثم فقهاء الصحابة والتابعين، وصولا إلى علماء الأمة الذين أسسوا للمذاهب الفقهية، إلى جانب الفقهاء المعاصرين.
وحدد سكنفل مجال الاجتهاد في ما لا نص فيه من الكتاب والسنة، وكذلك في النصوص الظنية الدلالة التي تحتمل أكثر من معنى، موضحا أن اختلاف الفقهاء في عدد من المسائل الجزئية جاء نتيجة فهمهم لهذه النصوص، بالاستناد إلى دلالات الألفاظ ومقاصد الشريعة ومراعاة الأحوال.
وأكد أن المرحلة الحالية تحتاج بدورها إلى اجتهاد فقهي يستند إلى هذه الضوابط، إلى جانب الاستفادة من آراء الخبراء في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والحضارية، مشددا في الوقت نفسه على أن الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان، وأن “الشريعة الإسلامية رحمة كلها و عدل كلها”.
وفي ما يتعلق بإعلان بادو تجاوزها فترة العدة بدعم من أسرتها ورفضها لما اعتبرته إملاءات لا تستند إلى أساس ديني، أكد سكنفل أن الدعم الأسري للمرأة المكلومة، سواء بسبب فقد زوجها أو الطلاق، “أمر مطلوب و مؤكد”، معتبرا أنه يعكس روح التكافل والتضامن والدعم التي يؤكد عليها الإسلام.
غير أنه شدد على ضرورة التمييز بين هذا الدعم وبين تجاوز الحكم الشرعي، موضحا أن العدة ملزمة للمرأة باعتبارها مكلفة تكليفا شرعيا كاملا، وأنه “لا مجال لتغيير الأحكام الشرعية المستندة إلى النصوص القطعية الدلالة”.
واستشهد سكنفل في ختام تصريحه بقوله تعالى: “وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا”، سورة الأحزاب، الآية 36.
كما استشهد بقوله تعالى: “إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون، ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون”، سورة النور، الآيتان 51 و52.
المصدر:
العمق