بمناسبة اليوم الدولي للسلام، الذي يصادف 21 شتنبر من كل سنة، تقدم لطيفة ابن زياتن، الناشطة المغربية-الفرنسية في مجال السلام ومناهضة التطرف، رؤيتها لمعنى الاستثمار في السلام، انطلاقا من تجربتها الشخصية ومسارها في العمل مع الشباب ومواجهة خطابات الكراهية والتطرف.
وتستعرض ابن زياتن، المكرمة بجائزة زايد للأخوّة الإنسانية سنة 2021 ومؤسسة “جمعية عماد من أجل الشباب والسلام”، في هذا المقال الذي تنشره هسبريس حصريا، مسار انتقالها من مأساة فقدان ابنها عماد في هجوم إرهابي بمدينة تولوز الفرنسية سنة 2012 إلى الانخراط في مبادرات تروم الوقاية من التطرف وتعزيز الحوار والتسامح.
كما تتوقف الكاتبة عند أثر حصولها على جائزة زايد للأخوّة الإنسانية في توسيع نطاق عملها، وما أتاحه هذا التكريم، بحسب تجربتها، من فرص لإيصال رسالتها إلى جمهور أوسع وتطوير مشاريع ميدانية، من بينها “مدرسة الفرصة الثانية” بالمغرب.
وترى ابن زياتن أن تكريم صانعي السلام لا ينبغي أن يشكل نهاية لمسارهم، بل نقطة انطلاق لتحويل الاعتراف إلى مشاريع ملموسة ومستدامة، معتبرة أن “الاستثمار في السلام يبدأ بالاستثمار في الإنسان”، خصوصا عبر التعليم وتأطير الشباب والحوار وتعزيز فرص الاندماج.
وفي ما يلي نص المقال:
يدعونا شعار اليوم الدولي للسلام هذا العام “الاستثمار في السلام من أجل الجميع، في كل مكان، كل يوم”، إلى التفكير في الوسائل التي تجعل السلام واقعًا مستدامًا، لا مجرد إعلان أو خطاب جميل. ومن واقع تجربتي بصفتي إحدى المكرمات بجائزة زايد للأخوّة الإنسانية، أؤمن بأن الاستثمار في السلام يبدأ بمنح صانعيه الموارد والدعم اللذين يساعدانهم على العمل والاستمرار.
تحمل جائزة زايد للأخوّة الإنسانية العالمية اسم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة “طيّب الله ثراه”، تكريمًا لإرثه في العطاء وخدمة الإنسان من دون تمييز. وهي جائزة مستقلة تحتفي بأفراد ومؤسسات يجسدون قيم الأخوّة والتضامن والتعايش السلمي في أعمالهم. وفي المغرب، يرتبط اسم الشيخ زايد بمؤسسات صحية وإنسانية، من بينها مؤسسة الشيخ زايد والمستشفى الجامعي الدولي الشيخ زايد بالرباط، بما يجسد حضور هذا الإرث في حياة الناس.
تأسست الجائزة في 2019 عقب توقيع وثيقة الأخوّة الإنسانية من قِبل قداسة البابا الراحل فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية السابق، وفضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وقد كان هذان الرمزان الدينيان أول المُكرّمين فخريًا بالجائزة.
بعد عامين، اخْتِرْتُ ضمن قائمة المكرَّمين بالجائزة لعام 2021، إلى جانب أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، وخلال الحفل، أشاد كل من البابا فرنسيس وشيخ الأزهر بجهودي نحو منع تطرف الشباب وتعزيز التقارب بين الناس، مهما اختلفت أدياننا وثقافاتنا.
تكتسب جائزة زايد للأخوّة الإنسانية أهمية كبيرة؛ لأنها تسلط الضوء على القضايا الإنسانية، وتؤكد أن الجهود المبذولة من الأفراد والمنظمات تحظى بالتقدير. كما تتيح إيصال رسالة صانعي السلام إلى جمهور أوسع، خصوصًا في ظل تصاعد خطاب الكراهية والانقسامات الاجتماعية.
نشأ التزامي بهذه الرسالة من مأساة غيّرت حياة أسرتي إلى الأبد. وهي فقداني لابني عماد، الجندي في القوات المظلية الفرنسية، الذي قُتل في تولوز في 11 مارس 2012 في جريمةٍ إرهابيةٍ وحشية هزت أرجاء المجتمع الفرنسي والمغربي. لم أبدأ هذا العمل بحثًا عن تكريم، بل لأنني شعرت بضرورة تحويل ألمي إلى شيء نافع. اخترت، بصفتي أمًا، أن أواجه الكراهية بالحوار والعنف بالتعليم، وأن ألتقي الشباب وأستمع إليهم وأنقل إليهم رسالة تقوم على السلام والأخوّة والاحترام.
أنا لا أمارس هذا العمل من خلف مكتب، بل أتنقل في أنحاء فرنسا للقاء الشباب في المدارس والأحياء، وأتحدث إليهم من قلبي، مستندة إلى ما تعلمته خلال حياتي. أقول لهم إن الجمهورية وطنهم، وإن لهم مكانًا في مجتمعنا، وإن عليهم أن يؤمنوا بأنفسهم وبمستقبلهم.
التقيت على امتداد مسيرتي بآلاف الشباب الذين شاركوني شكوكهم وغضبهم وجراحهم وأحلامهم. وعلمتني هذه اللقاءات أن وراء كل إنسان قصة، وأن داخل كل قصة إمكانية لبداية جديدة. وحين أرى شابًا فقد ثقته بنفسه ثم يستعيد رغبته في العمل وبناء مستقبله بعد لقاء أو حوار، أدرك أن هذا هو المقياس الحقيقي لأثرنا.
تؤكد لي هذه اللقاءات أهمية الاستثمار في الوقاية، وإتاحة مساحات للحوار مع الشباب قبل أن تتفاقم الصعوبات التي يواجهونها.
يمثّل نقل القيم إلى الأجيال المقبلة جزءًا أساسيًا من رسالتي. أريد للشباب الذين ألتقيهم اليوم أن يصبحوا في المستقبل سفراء للسلام والاحترام والأخوّة والحوار والمواطنة داخل مجتمعاتهم. فإذا انتهى عملي بانتهاء دوري، فهذا يعني أنني لم أنقل إليهم ما يكفي.
كان تكريمي بجائزة زايد للأخوّة الإنسانية لحظة شديدة التأثير في مسيرتي، عشتها بمشاعر عميقة وبقدر كبير من التواضع. فقد شعرت بأن الجائزة لم تكرّم شخصًا واحدًا فحسب، بل قدّرت نضال أم اختارت تحويل الألم إلى عمل، ومواجهة الكراهية بالحوار والعنف بالتعليم.
كما منحت الجائزة بُعدًا دوليًا للقضية التي دافعت عنها سنوات طويلة. كان عملي قبلها معروفًا أساسًا من خلال لقاءاتي الميدانية في فرنسا، لكنها أتاحت لرسالتي الوصول إلى جمهور أوسع، وفتحت أمامي المجال للقاء أفراد ومؤسسات ملتزمة بتعزيز السلام والأخوّة. وأسهمت كذلك في تسليط الضوء على قضايا جوهرية، مثل الوقاية من التطرف، وتعزيز التعليم، ومواجهة الكراهية، وتشجيع الحوار بين الثقافات، ومنح فرصة ثانية لمن مروا بظروف صعبة.
لكن الأثر الأهم للجائزة تمثل في مساعدتي على تحويل قناعتي إلى مشروع ملموس في المغرب، من خلال إنشاء مدرسة للفرصة الثانية. واليوم، تدعم هذه المؤسسة نحو 800 شاب وشخص بالغ، وتساعدهم على إعادة بناء حياتهم والسعي إلى الاندماج المهني.
مرّ بعض هؤلاء بظروف صعبة أو إخفاقات وانتكاسات، وعاشوا فترات فقدوا خلالها الثقة بأنفسهم. ويتمثل دورنا في مساعدتهم على استعادة هذه الثقة، وإعادة بناء مساراتهم المهنية، وتعزيز روابطهم الاجتماعية، واستعادة مكانهم في المجتمع. ونقول لهم دائمًا إن قصتهم لا تنتهي عند الصعوبات التي واجهوها، وإن من حقهم أن يحلموا، وإنهم قادرون على بناء مستقبلهم.
حققت المؤسسة نسبة نجاح بلغت 98 في المئة، لكن الأهم من الرقم هو ما يقف وراءه من مسارات إنسانية: أشخاص عادوا إلى التعليم أو التدريب، وتعلموا مهنًا، واستعادوا روابطهم الاجتماعية، وبدؤوا من جديد في الإيمان بقدراتهم. وهذا هو المعنى الحقيقي للأثر المستدام، وهو أيضًا تعريفي للأخوّة الإنسانية: ألا نترك أحدًا خلفنا، وأن نمنح كل إنسان فرصة ثانية.
تعمل المدرسة اليوم وتحقق نتائج قوية، لكنها تحتاج إلى التوسع للاستجابة للطلب المتزايد والوصول إلى عدد أكبر من الشباب والبالغين. لا أريد الاكتفاء بالمحافظة على ما تحقق، بل أطمح إلى فتح مزيد من الأبواب ومنح الفرصة لمزيد من الناس.
من هنا، أؤمن بأن الجائزة لا ينبغي أن تكون خط النهاية، بل نقطة انطلاق. فقيمتها الحقيقية تُقاس بما نستطيع تحقيقه بعدها، وبقدرتها على تحويل الاعتراف إلى أثر ملموس يستفيد منه الآخرون.
تواجه جمعيتنا، كغيرها من الجمعيات العاملة على الأرض، تحدي المواءمة بين الإمكانات المتاحة والاحتياجات المتزايدة. ويظل طموحنا أن نعزز استقرار برامجنا، ونمنح فرق العمل القدرة على مرافقة الشباب والأسر بصورة منتظمة، لأن أثر هذه الجهود يتراكم مع الوقت ويقوم على الثقة التي نبنيها مع من نلتقيهم.
سأواصل العمل على تطوير مشروعاتنا والتعريف بأثرها وبناء الروابط التي تساعدها على النمو. وستظل جائزة زايد للأخوّة الإنسانية تكريمًا كبيرًا في مسيرتي، وحافزًا لمواصلة خدمة الآخرين وترجمة قيم الأخوّة إلى خطوات عملية.
يحتاج العالم اليوم إلى الاستثمار في السلام أكثر من أي وقت مضى، الاستثمار في السلام هو استثمار في التعليم والشباب والحوار والكرامة الإنسانية.
وحين يلتقي التزام الأفراد بخبرات المؤسسات وإمكاناتها، تتسع فرص إحداث تغيير حقيقي في حياة الناس. وهذه هي روح الشراكة التي نتطلع إليها: أن يسهم كل طرف بما يستطيع في توفير موارد التعليم ومناخ الحوار وتعزيز فرص الاندماج، والبناء على النجاحات التي تحققت أساسًا لفرص جديدة.
هذا هو الدور الذي أريد مواصلة القيام به: أن أظل امرأة تعمل على أرض الواقع، وتؤمن بالحوار وتنقل القيم وترفض التخلي عن الأمل. وما دمت قادرة على أن أقول للشباب: “آمنوا بأنفسكم وبمستقبلكم، ولا تسمحوا للكراهية بأن تتحكم فيكم”، فسأواصل نضالي.
المصدر:
هسبريس