قال رياض مزور، وزير الصناعة والتجارة والقيادي في حزب الاستقلال إن حزبه يتحمل مسؤوليته كاملة عن التدبير الحكومي خلال الولاية الحالية، بما له من نجاحات وما شابه من إخفاقات، رافضاً اختزال مواقفه في كونه يضع «رجلا في الحكومة ورجلاً في المعارضة»، ومؤكدا أن الحزب يعترف بوجود تدابير لم تدبر بالشكل الجيد، وفي مقدمتها مسألة تضارب المصالح، التي قال إنها «قانونية مئة في المئة» من الناحية القانونية، لكنها «ليست أخلاقية ولا تستجيب للمعايير النموذجية وأفضل المعايير»، مشدداً على أن حزبه يريد إصلاحها في المرحلة المقبلة.
وأضاف مزور، خلال لقاء تواصلي لتقديم التدابير الاقتصادية في برنامج حزب الاستقلال مساء الثلاثاء، أن الحزب حاول خلال الولاية الحكومية الحالية إصلاح هذا الوضع وإقناع شركائه بذلك، لكنه لم يتمكن من الوصول إلى النتيجة التي كان يريدها.
وشدد وزير الصناعة والتجارة على أن معيار حزب الاستقلال في هذه المسألة هو ما يضر بالمغاربة وما لا يحظى بقبولهم، وليس موقع الحزب داخل الحكومة أو المعارضة، وقال: «هناك قناعة بأن ما يضر المغاربة وما لا يعجب المغاربة يجب أن نصلحه»، مضيفاً أن الاقتصاد والنمو يقومان أساساً على الثقة، وأن أي أزمة في الثقة يمكن أن تؤثر في الاستثمار والمنافسة والمسار التنموي.
وتابع: «إذا كانت هناك مشكلة في الثقة، فإن كل شيء يصبح قائماً على المحسوبية، وكل شيء يصبح مرتبطاً بتضارب المصالح، فالناس يأكلون ويقررون ويستفيدون من الشيء الذي يقررون فيه، وعندها لن تبقى الثقة». وحذر من أن المستثمر الذي ينتظر أشهراً طويلة للحصول على ترخيص قد يتوقف عن مشروعه، كما أن المستثمر الذي يريد دخول السوق بأفكار جديدة أو استثمار جديد قد يستنتج أنه لا توجد منافسة، وهو ما قال إنه «يبطل المسار التنموي لبلادنا».
وقال مزور إن حزبه لا يرفع شعار محاربة الفساد بشكل مجرد، بل يريد استهداف الممارسات التي يمكن تغييرها، مضيفاً: «لن نحارب الفساد كله، أقولها لكم من الآن، لأنه قوي وله مناصروه ومن يدافع عنه، ولكن هناك أشياء يمكننا القيام بها». وأوضح أن الإجراءات التي يمكن اتخاذها يجب أن تستهدف كل ما له انعكاس سلبي على ثقة المستثمرين والمواطنين.
آليات جديدة لضبط السوق
وفي ما يتعلق بالقدرة الشرائية، دافع مزور عن مقترح إنشاء شركات جهوية للتدخل في سوق المواد الأساسية، رافضاً تفسير ذلك بأنه رغبة في تعويض القطاع الخاص أو إعادة الدولة إلى ممارسة التجارة بشكل مباشر. وأوضح أن بعض الوسطاء يتحكمون في الإنتاج لأنهم يمولون المزارعين ويؤدون تكاليف مرتبطة بالإنتاج، ثم يتحكمون في التوزيع أيضاً، وهو ما يمنحهم، بحسبه، قدرة كبيرة على التأثير في السوق.
وقال إن مجلس المنافسة لا يستطيع دائماً التدخل عندما يتعلق الأمر بفاعلين خارج القطاع المهيكل، متسائلاً عن الجهة التي يمكنها التدخل للحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن. وأكد أن الدولة تملك أدوات للتدخل، وأن من بينها «الدعم المشروط».
وفي التعليم، أكد الوزير أن الحزب يريد تسريع إصلاحها واعتماد التقييم المستمر لتجارب مدارس الريادة في الابتدائي والإعدادي والثانوي، مع الاستفادة من إيجابيات التجربة وإصلاح الجوانب التي تحتاج إلى تطوير.
وتحدث عن الأسر التي تختار المدرسة الخصوصية، خصوصاً في المرحلة الابتدائية، بسبب ما تعتبره مستوى معيناً من الخدمة أو لأسباب أخرى، وقال إن الحزب يقترح مواكبة هذه الأسر من خلال تدبيرين، أولهما تأطير الزيادات في رسوم المدارس الخاصة، والثاني تقديم إعفاءات ضريبية للطبقة الوسطى للمساعدة في تحمل مصاريف التعليم.
وأوضح أن الهدف من تأطير الرسوم هو منع الزيادات غير المنضبطة في كلفة التعليم، وقال إن الأسرة التي تبدأ مسار أبنائها في مدرسة خاصة بمبلغ معين لا ينبغي أن تجد نفسها أمام زيادات متكررة كل سنة من دون إطار واضح. وشبه ذلك بتأطير الزيادة في أسعار الكراء، وقال إن الزيادة ينبغي أن تكون مؤطرة قانونياً.
القدرة الشرائية والسيادة الاقتصادية
وفي محور السيادة الاقتصادية، ربط مزور مفهوم السيادة مباشرة بالقدرة الشرائية للمواطنين، وقال إن ارتفاع أسعار البترول يرفع كلفة المعيشة اليومية في مختلف المجالات، لكنه اعتبر أن المغرب أصبح يتوفر، لأول مرة، على قدرة مهمة لإنتاج الطاقة بكلفة تنافسية، بما يسمح أيضاً بإنتاج الماء عبر تحلية مياه البحر ونقل المياه بين الأحواض.
وقال إن مفهوم السيادة لا يتعلق بالطاقة وحدها، وإنما يشمل أيضاً الإنتاج الصناعي والقدرة على التحكم في الأسواق والعملاء والقيمة المضافة. وضرب مثالاً بقطاع النسيج، قائلاً إن وجود زبون واحد يستحوذ على 50 في المائة من الإنتاج يمثل خطراً على البلاد، لأن ذلك الزبون يستطيع التأثير في ما يتم شراؤه وكيفية شرائه وبأي ثمن.
وأوضح إن المطلوب هو تطوير العلامات المغربية حتى تستفيد الشركات من القيمة المضافة التي تخلقها العلامة، معتبراً أن تقليص التبعيات الاقتصادية هو ما سيخلق قيمة مضافة واستقراراً للقدرة الشرائية وقوة أكبر في تحديد المسار الاقتصادي للبلاد.
وفي ما يتعلق برفع الحد الأدنى للأجور والمعاشات، رفض مزور تقديم رقم محدد مسبقاً، مؤكداً أن الأمر ينبغي أن يكون نتيجة للحوار الاجتماعي مع ممثلي العمال وأرباب العمل. . وأضاف أن ممثلي العمال سيطالبون برقم أعلى، وأن ممثلي أرباب العمل سيقدمون بدورهم حججاً تتعلق بتنافسية المقاولات وتأثير رفع الأجور على بعض القطاعات.
وبخصوص الطبقة الوسطى، قال مزور إن تشخيص حزب الاستقلال يقوم تقريباً على اعتبار الأسرة التي يتراوح دخلها بين 8 آلاف و24 ألف درهم شهرياً ضمن هذه الفئة، مع اختلاف الوضع حسب المنطقة والقدرة الشرائية. وأقر بأن هذا التشخيص ليس تعريفاً علمياً نهائياً، لكنه يمثل، بحسبه، تقديراً عملياً للفئة التي يستهدفها البرنامج. وقال إن المشكلة الأولى التي تواجه هذه الأسر هي السكن، لأن كلفة السكن أصبحت تستهلك جزءاً كبيراً من طاقتها وإمكاناتها.
عقد الفرشة المائية
وفي ما يخص تدبير الموارد المائية، دافع مزور عن ربط الدعم الفلاحي بما سماه «البصمة المائية» وقياس القيمة المنتجة لكل متر مكعب من الماء، وقال إن المغرب بلد يعاني ندرة المياه، ولم يعد ممكناً التعامل مع الموارد المائية كما لو كانت غير محدودة. وأضاف أن تغيرات المناخ أدت إلى تغير التوازنات المائية، بعدما انتقل المغرب من ثلاث سنوات من الجفاف إلى سبع سنوات، مع احتمال استمرار الدورة الجافة مستقبلاً، وهو ما يستدعي، بحسبه، طريقة مختلفة في تدبير المياه.
وقال إن الدعم والموارد الأساسية ينبغي أن يرتبطا بالمردودية، موضحاً أن الدولة لا تستطيع منح الماء النادر لأي استعمال من دون معرفة ما ينتجه ذلك الاستعمال وكيف ينعكس على المجتمع والاقتصاد. وأضاف أن الأولوية ينبغي أن تكون للسوق الوطني ولتوفير الغذاء للمغاربة بأسعار مناسبة.
واقترح في هذا السياق اعتماد ما سماه «عقد الفرشة المائية»، بحيث يعرف كل مستعمل للمياه حجم الموارد المتاحة وما يمكنه استعماله منها، وما يترتب عليه من التزامات، مؤكداً أنه لا يمكن لمستعمل واحد أن يستنزف الفرشة المائية كاملة ويترك السكان من دون ماء.
وضرب مثالاً بمناطق توسعت فيها زراعة التمور والبطيخ، وقال إن استنزاف الفرشة المائية أدى في بعض المناطق إلى عدم توفر السكان حتى على مياه الشرب، مضيفاً أن بعض الفلاحين أنفسهم أصبحوا يواجهون مشكلة في الحصول على الماء لسقي مزروعاتهم. ودعا إلى تثمين المياه وتدبيرها بطريقة «عقلانية ومسؤولة ومستدامة».
المصدر:
لكم