دخلت أسهم شركات البناء والأشغال العمومية المدرجة في بورصة الدار البيضاء مرحلة اختبار جديدة، بعدما تحولت موجة الصعود القوية التي رافقتها خلال السنوات الماضية إلى تصحيح حاد منذ بداية 2026، في وقت يترقب المستثمرون انعكاس الطفرة غير المسبوقة في الطلبيات المرتبطة بالأوراش الكبرى واستحقاقات 2030 على أرقام المعاملات وهوامش الربح.
وتصدرت “SGTM” موجة التراجع بخسارة سهمها 31.2 في المائة منذ فاتح يناير الماضي، فيما انخفض سهم “Jet Contractors” بنسبة 24.5 في المائة، وتراجع “TGCC” بنحو 20.6 في المائة، لتصبح شركات البناء والأشغال العمومية ضمن أبرز القيم التي تعرضت للضغط في السوق خلال الفترة الماضية، رغم استمرار المؤشر العام لبورصة الدار البيضاء في منحاه الصاعد.
وازدادت حدة التصحيح مع توالي جلسات غشت وبداية شتنبر، بعدما جاءت التراجعات إثر ثلاث سنوات من الارتفاعات القوية، غذتها توقعات استفادة شركات القطاع من دورة استثمار استثنائية يقودها تسريع مشاريع البنيات التحتية والمنشآت الرياضية والنقل والتجهيزات المرتبطة خصوصا باستعدادات المغرب لاستضافة كأس العالم 2030.
وكانت هذه الرهانات قد دفعت تقييمات الشركات الثلاث إلى مستويات مرتفعة بنهاية 2025، بعدما استوعبت أسعار الأسهم مبكرا جزءا مهما من الأخبار الإيجابية المنتظرة بشأن حجم الاستثمارات والمشاريع الجديدة. وهو ما يجعل التصحيح الجاري مرتبطا، في جزء منه، بإعادة تقييم قدرة الشركات على تحويل هذه التوقعات إلى نتائج مالية بالسرعة التي راهن عليها المستثمرون.
كشفت المؤشرات التشغيلية عن مفارقة لافتة بين حجم المشاريع المتعاقد بشأنها وتطور النشاط الفعلي؛ إذ تجاوزت القيمة التراكمية لسجلات طلبيات “SGTM” و”TGCC” و”Jet Contractors” مستوى 77 مليار درهم بنهاية مارس الماضي، مقابل 62.8 مليار درهم قبل سنة، بزيادة تناهز 14.2 مليار درهم في ظرف اثني عشر شهرا.
وعكس هذا المستوى التاريخي وفرة غير مسبوقة في المشاريع التي يفترض أن تؤمن للشركات الثلاث رؤية واضحة بشأن نشاطها خلال السنوات المقبلة، خصوصا مع تسارع الاستثمارات العمومية والخاصة والأوراش المرتبطة بأفق 2030. إلا أن السوق بات ينظر بدرجة أكبر إلى سرعة تنفيذ هذه الطلبيات وتحويلها إلى فوترة ومداخيل، بدل الاكتفاء بحجمها الإجمالي.
وبلغ رقم المعاملات التراكمي للشركات الثلاث خلال النصف الأول من السنة الجارية حوالي 13.45 مليار درهم، مسجلا تراجعا بنحو 4.7 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، في تناقض مع الارتفاع القوي المسجل في سجلات الطلبيات، ومع معدلات النمو المرتفعة التي دعمت إعادة تقييم أسهم القطاع خلال السنوات السابقة.
وتداخلت في هذا التباطؤ عوامل مرتبطة بوتيرة انطلاق المشاريع الجديدة وتقدم الأشغال، إلى جانب تأثيرات موسمية طبعت الأشهر الأولى من السنة، بينها شهر رمضان وعيد الفطر والتساقطات المطرية الغزيرة. غير أن المستثمرين يترقبون الآن تجاوز هذه العوامل وظهور تسارع أوضح في النشاط، بالنظر إلى اقتراب آجال إنجاز عدد من الأوراش الكبرى.
ويضع هذا الوضع شركات البناء أمام معادلة “بورصية” أكثر صرامة من السابق؛ إذ لم يعد الإعلان عن الفوز بصفقات جديدة أو ارتفاع سجلات الطلبيات كافيا وحده لدعم أسعار الأسهم بالمستويات ذاتها، بعدما أصبح التركيز موجها إلى قدرة هذه الشركات على تنفيذ المشاريع في آجالها، وتسريع الفوترة، والحفاظ على هوامش ربحية تسمح بتحويل طفرة الاستثمارات إلى أرباح ملموسة.
انتقلت السوق بذلك من مرحلة تسعير “وعد 2030” إلى مرحلة اختبار نتائجه، بعدما كانت التوقعات بشأن الأوراش الكبرى محركا أساسيا لارتفاع أسهم القطاع. فجزء مهم من المكاسب المستقبلية جرى استباقه خلال موجة الصعود السابقة، ما يرفع سقف النتائج المطلوبة لتبرير تقييمات الشركات، حتى بعد التراجعات المسجلة منذ بداية السنة.
وفي المقابل، لا يعني التصحيح أن السوق فقدت ثقتها بالكامل في آفاق شركات البناء، خصوصا أن حجم الطلبيات المتراكمة يمنح القطاع قاعدة نشاط قوية للسنوات المقبلة، إلا أن الفجوة الحالية بين نمو دفاتر الطلبات وتطور رقم المعاملات تفرض على الشركات إثبات قدرتها على تسريع تحويل المشاريع المتعاقد بشأنها إلى نشاط فعلي وتدفقات مالية.
وتزايدت أهمية هذا الرهان بالنظر إلى أن مضاعفات الربحية، رغم انخفاضها عن المستويات القياسية المسجلة سابقا، تظل تعكس توقعات مرتفعة بشأن النمو المستقبلي للقطاع. لذلك، فإن أي تأخر إضافي في تنفيذ المشاريع أو ضعف في وتيرة الفوترة يمكن أن يدفع المستثمرين إلى مزيد من الحذر، في حين قد يشكل تسارع النشاط وتحسن النتائج المالية عاملا لاستعادة جاذبية هذه الأسهم.
وبين سجلات طلبيات تتجاوز 77 مليار درهم وأسعار أسهم فقدت بين خُمس ونحو ثلث قيمتها منذ بداية السنة، دخل قطاع البناء والأشغال العمومية المدرج في بورصة الدار البيضاء مرحلة حاسمة؛ إذ بات “وعد 2030” مطالبا بالظهور في حسابات الشركات، بعدما ظل لسنوات حاضرا بقوة في تقييماتها “البورصية”، وسيكون تطور أرقام المعاملات والأرباح وهوامش الربحية خلال الفترات المقبلة المؤشر الأبرز على قدرة القطاع على تحويل طفرة الأوراش إلى “أرباح 2030” فعلية.
المصدر:
هسبريس