أبرزت باحثات وخبيرات، الثلاثاء بمدينة بنجرير، أن حضور المرأة في الزراعة مازال “غير مرئي” بما يعكس مساهماتها الفعلية، وذلك بسبب “إشكالات في المقاربات والمنهجيات البحثية المعتمدة”، داعيات إلى توجيه البيانات والأبحاث حول المزارعات إلى الحجم الحقيقي لمساهمتهن داخل القطاع الفلاحي.
جاء ذلك خلال جلسة علمية بعنوان: “العلم، البيانات والابتكار في خدمة النساء المزارعات”، ضمن فعاليات اللقاء الدولي المخصص لإبراز الدور الحاسم للمزارعات في التحول المستدام للنظم الغذائية والزراعية، من تنظيم مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، بالتعاون مع الجامعة متعددة التخصصات التقنية من خلال مبادرتها “المثمر”.
وأبرزت المداخلات المقدّمة ضمن الجلسة العلمية أهمية ملاءمة الحلول التقنية مع حاجات النساء وقدرتهن على تحمل كلفتها، وتعزيز الثقة والتعلم بالأقران، بما يضمن انتقال الحلول التقنية والعلمية الزراعية من المختبر إلى الحقل على أرض الواقع.
لمياء الغوتي، مديرة المعهد الوطني للبحث الزراعي (INRA)، تطرّقت إلى إشكالات منهجية في بحث واقع النساء المزارعات، موضحةً أن “وحدة الملاحظة الرئيسية في الأبحاث حالياً غالباً ما تكون المزرعة أو الأسرة المعيشية، ولا ترتبط أبداً بالمرأة التي تلعب بالفعل دوراً في هذه الوحدة، وهو ما يتسبب في جعل النساء في معظم الأحيان غير مرئيات في هذا الصدد”.
وأضافت الغوتي، في مداخلتها، أن “ما نحتاج التطرق إليه في أبحاثنا وبياناتنا ليس عدد المزارعات، بل ما الحجم الحقيقي لمساهمتهن”، منبهةً في سياق ذي صلة إلى أن “الملكية لا تعني دائماً السيطرة واتخاذ القرار، فقد تتمكن النساء من الوصول إلى الموارد لكنهن لا يتخذن القرار المتعلّق بها”.
كما دعت مديرة المعهد الوطني للبحث الزراعي إلى التمييز بين كيفية تأثر كل من الرجال والنساء بتغير المناخ، و”الكف عن الحديث أحياناً عن المرأة (المزارعة) كـ’متوسط'”، مبرزةً أن “المرأة التي تعمل في نظام سقوي ليست كتلك التي تعمل في نظام جبلي، والمقاولة في الفلاحة ليست كالعاملة الموسمية”.
دينا النجار، خبيرة أولى في قضايا النوع الاجتماعي بالمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا)، أوضحت بدايةً أن “العلوم والبيانات والابتكار لا تخدم المزارعات تلقائياً، وإنما حينما تجعلهن مرئيات”، مبرزةً أن “المنطقة تعاني من مشكلة، وهي أن المزارعات غائبات عن الأنظار”، و”غالباً ما تصنف النساء كـ’ربات منازل’ أو ‘بدون'”.
وأوضحت النجار، في مداخلتها، أنه “لذلك يعمل ‘إيكاردا’ بشكلٍ مكثف في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على توثيق مساهمات المرأة في الزراعة بمجالات مختلفة: في الري، وفي المراعي، وكذلك في الفلاحة”.
وأضافت المتحدّثة ذاتها: “المركز سجّل أيضاً فجوة في ملكية التكنولوجيا بقطاع الزراعة، ولذلك قمنا بتوزيع هواتف على النساء لتشغيل بعض برامج الإرشاد الرقمي”، مؤكدةً أن “هذا أمر مهم جداً لأنه بدون هذه الهواتف لا يمكن للنساء تلقي الإرشاد الرقمي”.
وتطرّقت الخبيرة نفسها إلى الجهود البحثية للمركز في تسليط آثار التغير المناخي على المرأة، مفيدةً بأنه أجرى دراسة بعنوان “حتى الماعز يمكنها الشعور بالحرارة”، نظراً لسهولة امتلاك النساء هذا الحيوان تحديداً، حيث بيّنت أنهن “يستخدمن المراعي الأقرب إلى المنازل، ولا يقضين أياماً في النوم في المراعي، كما أنهن يجمعن بعض النباتات ويجلبنها للمواشي لأن الجو يكون شديد الحرارة على المواشي للرعي”.
وزادت النجار أن “هذا يوضح كيف أدى تغير المناخ إلى زيادة عبء العمل عليهن”، مبينةً في الآن نفسه دور التحسين الوراثي للأصناف النباتية في زيادة دخل المرأة، وهو ما ثبت مثلاً في “حالة ‘الشعير العاري’، وهو صنف محدد من الشعير لا يحتوي على قشرة خارجية، ما يقلل من خسائر ‘الدرس'”.
من جانبها قالت جميلة العداني، رئيسة تطوير الزراعة في مبادرة “المثمر”: “إن تجربتنا بيّنت أن تبني أي حل يتم التوصل إليه من الناحية التقنية يتطلب رحلة طويلة”.
وأكدّت العداني، في مداخلتها، أن “هذا الحل يجب أن يكون ملائماً ويجيب عن مشكلة أو حاجة ما لدى المزارعين، على أن المقصود بالملاءمة أيضاً أن يكون يكون ميسور الكلفة”، مؤكدةً كذلك “ضرورة توفر الثقة، علماً أن ثقة المزارعين تحتاج تقديم أدلة واضحة من الميدان وليس مجرد نظريات في المختبر”، ومقدمةً مثال تجارب المدارس الحقلية في مبادرة “المثمر”.
وأوضحت المتحدثة أن “ثمة معياراً آخر لنجاح تبني التكنولوجيات يتمثل في تمكين المزارعين”، فضلاً عن “التعلم بالأقران، خاصةً أن المزارعين يصدقون بعضهم البعض أكثر مما يصدقون أحداً من العلماء أو المرشدين الزراعيين”، مردفة: “لذلك نشجع في مبادرة ‘المثمر’ المزارعين على التحدث، والنساء على التعبير ومشاركة تجاربهن مع أقرانهن”.
ولم تغفل رئيسة تطوير الزراعة في مبادرة “المثمر” أهمية قدرة الحل التكنولوجي المقترح على التأثير، موردةً أنه “لا يكفي جلب التكنولوجيا أو تقديم عروض توضيحية عنها، بل تجب أيضاً معالجة كيفية استخدام المرأة هذه التقنية، وفي أي ظروف تعيش، وهل ستتبناها وتعمل بها وتحدث تأثيرا”.
المصدر:
هسبريس