دخلت العلاقات بين واشنطن والجزائر مرحلة جديدة من الحراك الدبلوماسي والاقتصادي، مع الزيارة التي أجراها مسعد بولوس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية، إلى الجزائر، وسط مساع أمريكية لدفع العملية السياسية المتعلقة بالصحراء على أساس مبادرة الحكم الذاتي المغربية، بالتوازي مع اهتمام متزايد من الشركات الأمريكية بقطاع الطاقة الجزائري.
وحل بولوس، الأحد 13 شتنبر 2026، بالعاصمة الجزائرية في ثالث زيارة له إلى البلاد منذ يوليوز 2025، بعد زيارتين سابقتين في 27 يوليوز 2025 و27 يناير 2026، حيث استقبله الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، قبل أن يجري مباحثات مع الوزير الأول سيفي غريب ووزير الخارجية أحمد عطاف، إلى جانب لقاء مع الرئيس المدير العام لمجمع سوناطراك نور الدين داودي.
وأكد بولوس، عقب لقائه تبون، أن المباحثات كانت “مثمرة للغاية”، واصفا الجزائر بأنها شريك مهم للولايات المتحدة في تعزيز الأمن الإقليمي وتوسيع الفرص الاقتصادية، فيما أكد التلفزيون الجزائري الرسمي أن لقاءه برئيس سوناطراك تناول سبل تعزيز التعاون في مجال الطاقة.
وتأتي الزيارة قبل أسابيع قليلة من انتهاء الولاية الحالية لبعثة الأمم المتحدة في الصحراء “المينورسو”، المحددة في 31 أكتوبر 2026، وفي ظل حراك أمريكي متصاعد لتنفيذ مقتضيات القرار رقم 2797 الذي اعتمده مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025، ودعا إلى إجراء مفاوضات تتخذ من مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا بهدف التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف.
وبحسب قراءة أوردتها مجلة “جون أفريك”، فإن التحرك الأمريكي تجاه الجزائر يتجاوز الصيغ الدبلوماسية التقليدية، إذ تسعى واشنطن إلى دفع الجزائر إلى التفاعل مع المعادلة الجديدة التي أرساها القرار الأممي الأخير، والتي منحت مقترح الحكم الذاتي المغربي موقعا مركزيا في مسار المفاوضات.
وتعزز هذا المعطى بالمباحثات التي أجراها بولوس، قبل توجهه إلى الجزائر، مع وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام روزماري ديكارلو، حيث أكد المسؤول الأمريكي أن النقاش تناول ملف الصحراء، وشدد على ضرورة الدفع نحو “حل دائم ومقبول من الأطراف” ومنسجم مع القرار 2797.
ويضع هذا التطور الجزائر أمام معادلة دبلوماسية جديدة، خصوصا أن الولايات المتحدة، صاحبة القلم بشأن ملف الصحراء داخل مجلس الأمن، باتت تدفع بصورة أكثر وضوحا نحو تسريع المسار السياسي، بينما تتمسك الجزائر بموقفها المعلن من النزاع وبدعم جبهة البوليساريو.
وبموازاة الشق السياسي، برز ملف الطاقة بقوة في أجندة بولوس بالجزائر، إذ خصص جزء من زيارته للقاء رئيس مجمع سوناطراك، في وقت تعمل فيه واشنطن على توسيع حضور الشركات الأمريكية داخل سوق المحروقات الجزائرية. وكانت سوناطراك قد وقعت في ماي 2024 اتفاقا مع “إكسون موبيل” لدراسة فرص تطوير موارد المحروقات في حوضي أحنات وقورارة، قبل توقيع اتفاق آخر مع “شيفرون” في يونيو من السنة نفسها لتطوير موارد في حوضي أحنات وبركين.
ويكتسي هذا الاهتمام أهمية إضافية بالنظر إلى الإمكانات الجزائرية في مجال الغاز غير التقليدي، إذ تقدر موارد الغاز الصخري القابلة للاستخراج تقنيا بنحو 20 ألف مليار متر مكعب، وهي من بين الأكبر عالميا، في وقت ظل فيه استغلال هذه الموارد موضوعا حساسا داخل الجزائر بسبب الاعتبارات البيئية والاحتجاجات التي سبق أن أثارتها مشاريع التكسير الهيدروليكي.
وتزامنت زيارة بولوس أيضا مع استعداد الجزائر للمراحل الحاسمة من برنامج “Algeria Bid Round 2026”، الذي أطلقته الوكالة الوطنية لتثمين موارد المحروقات في أبريل الماضي، ويعرض سبع مناطق للاستكشاف والاستثمار أمام الشركات الدولية.
وحددت الوكالة الجزائرية يوم 26 نونبر 2026 آخر أجل لإيداع العروض، على أن يجري توقيع عقود المحروقات مع سوناطراك في 31 يناير 2027، ما يضع التحرك الأمريكي في توقيت يتزامن مع فتح الجزائر دورة جديدة لاستقطاب رؤوس الأموال والخبرات الأجنبية في قطاع النفط والغاز.
وبذلك، تجمع زيارة بولوس بين مسارين متوازيين في المقاربة الأمريكية تجاه الجزائر: مسار سياسي مرتبط بتسريع البحث عن تسوية لملف الصحراء في الإطار الذي رسمه القرار 2797، ومسار اقتصادي تسعى من خلاله واشنطن إلى توسيع حضور الشركات الأمريكية في أحد أهم أسواق الطاقة في شمال إفريقيا.
المصدر:
العمق