لم تمر سوى ساعات معدودة على الانطلاقة الرسمية للحملة الانتخابية حتى برزت مشاهد من التوتر بين أنصار عدد من المرشحين، بعدما تحولت بعض التجمعات والأنشطة المندرجة ضمن الحملة الانتخابية خلال يومها الأول إلى فضاءات لتبادل العنف اللفظي والجسدي، كما كان الحال، على سبيل المثال، في مدن برشيد والداخلة وسطات، في مشاهد أعادت إلى الواجهة إشكالية طبيعة التنافس الانتخابي ومدى التزامه بقواعد التنافس السياسي السلمي.
وفي وقت يفترض أن تشكل الحملة الانتخابية مناسبة لعرض البرامج والتصورات والتنافس حول البدائل السياسية أظهرت بعض الوقائع المسجلة أن احتدام المنافسة قد ينزلق أحيانا إلى تبادل الشتائم والسباب، بل وصل الأمر في بعض الحالات إلى تبادل اللكمات، وتدمير المقرات، ما يطرح تساؤلات حول أسباب استمرار مثل هذه الممارسات وتداعياتها على صورة العملية الانتخابية وثقة المواطنين في المشاركة السياسية.
وفي هذا الصدد اعتبر محمد شقير، باحث في العلوم السياسية، أن الحملة الانتخابية الحالية “لا تحمل جديدا من هذه الناحية”، إذ جرت العادة أن تترافق الانتخابات مع أحداث تصل أحيانا إلى “القتل بين أنصار المرشحين”، خصوصا في بعض “البوادي والمناطق القروية”.
وأوضح شقير، في تصريح لهسبريس، أن هذا الوضع يعكس، إلى حد ما، احتدام المنافسة الانتخابية، مبرزا أن الأسباب الجوهرية لهذا التفاعل والتعامل تعود إلى “شخصنة الانتخابات”، ومعتبرا هذا المعطى يعد أحد مكونات الثقافة السياسية في المغرب.
ومن هذا المنطلق بيّن الباحث في العلوم السياسية أن “المنافسة لم تعد دائما تُفهم باعتبارها تدافعا بين البرامج أو تنافسا بين المؤسسات، لتتحول العملية إلى مواجهة شخصية بين الموالين لمرشح معين وأنصار مرشح آخر، يصارعون بعضهم بعضا في إطار يشبه حلبة معركة”، وأشار إلى أن “هذه الممارسات تتطور وتبرز بشكل أعمق في بعض المناطق ذات الطابع القروي أو البدوي”، وموضحا أن “هذه الأوساط يغلب عليها طابع تزداد فيه حدة الشخصنة والولاء الشخصي والصراعات الفردية”.
وشدد الباحث نفسه على أن هذا الواقع يعكس، على حد تعبيره، “ضعف الثقافة السياسية أولا، وعجز الأحزاب المؤطرة عن تأطير أعضائها سياسيا ثانيا”، مرجعا ذلك إلى كون جزء كبير من المرشحين الجدد من “الأعيان”، وهو “ما يضفي على اللعبة الانتخابية والسياسية في المغرب طابعا شخصيا”.
وختم محمد شقير بالقول إن هذا الطابع الشخصي يدفع إلى اللجوء إلى هذا النوع من التعامل، عوض فتح نقاش سياسي حول المطالب، مبينا أن “هذا ما يؤدي إلى التدافع والصراع مع الآخر، ولا سيما عندما تتداخل في العملية الانتخابية الانتماءات القبائلية والإقليمية”.
من جانبه أكد عبد الرحيم العلام، أستاذ العلوم السياسية، أن هذه الممارسات تمثل أساليب تنافسية “لا تمت بصلة إلى الديمقراطية ولا إلى التنافس الحر”، موضحا أن الأشخاص الذين يمارسون مثل هذه السلوكيات ينتمون إلى مرحلة “ما قبل المجتمع المدني”.
وشرح العلام، في تصريح لهسبريس، أن المجتمع المدني يؤمن بكون الدولة هي الجهة الوحيدة التي تحتكر العنف، وبأن الأفراد، في حال كانت لديهم ملاحظات أو مؤاخذات، يجب أن يلجؤوا إلى القضاء.
وتابع الأستاذ الجامعي ذاته بأن التفسير الثاني يتمثل في مسؤولية الأحزاب السياسية، لكونها لم تعمل على تأطير أعضائها، مشيرا إلى أن هؤلاء الفاعلين قد لا يكونون حتى أعضاء رسميين في الأحزاب، وإنما مجرد أشخاص يعملون مع الحزب مقابل أجر مادي، ومتسائلا في هذا الصدد: “إذا كانت الأحزاب غير قادرة على تأطير أعضائها فكيف يمكنها أن تؤطر المجتمع؟”.
وزاد المتحدث نفسه أن هؤلاء الأشخاص يسعون إلى تصعيد مرشحيهم في الانتخابات من أجل خدمة الصالح العام، معتبرا أن هذه الغاية، رغم كونها نبيلة، فإنها لا تبرر الوسيلة المستعملة، ولافتا إلى أن هذا النموذج من الممارسات يساهم في تراجع ثقة المواطنين، ويدفع الناس إلى مزيد من الابتعاد عن الأحزاب السياسية وعن المشاركة في الانتخابات؛ كما أكد أن مثل هذه السلوكيات لا تشجع نهائيا على الممارسة السياسية.
وفي ختام تصريحه شدد العلام على ضرورة تفعيل السلطات المختصة إجراءات عاجلة لمعاقبة هؤلاء الأفراد، ما دامت البلاد توجد في مرحلة الحملة الانتخابية، داعيا في الوقت ذاته إلى إصدار أحكام قضائية مستعجلة، بما يضمن “تحقيق التربية والردع” بالنسبة إلى الآخرين.
المصدر:
هسبريس