شدد مشاركون في ندوة نظمتها المنظمة الصحفية “المنتدى المغربي للصحافيين الشباب” على أن رهان انتخابات 2026 يتطلب إعلاما يمارس “المساءلة” ويتجاوز الحياد السلبي. وحذرت الندوة من تحول الصحفي إلى أسير لمصادره أو الوقوع في شباك التضليل الناتج عن الذكاء الاصطناعي والصفحات الكبرى غير الخاضعة لمعايير التحقق الصحفي.
ونظم المنتدى المغربي للصحافيين الشباب، عشية انطلاق الحملة الانتخابية، ندوة تحت عنوان “الإعلام وانتخابات 2026.. رهانات التغطية المهنية وتحديات الفضاء الرقمي،خصصت لمناقشة أدوار الصحافة خلال الاستحقاقات الانتخابية، وحدود الحياد والاستقلالية المهنية، إلى جانب التحديات التي يفرضها الفضاء الرقمي والذكاء الاصطناعي على التغطية الإعلامية.
وشكل مفهوم الحياد الصحفي أحد أبرز محاور النقاش، حيث جرى التأكيد على أن الحياد لا ينبغي اختزاله في التوزيع المتساوي للدقائق أو العناوين بين مختلف الفاعلين السياسيين، وإنما يرتبط أساسا بمدى احترام الصحفي لقواعد المهنة وقدرته على التعامل مع مختلف الأطراف بالصرامة المهنية نفسها.
وحذر المتدخلون من مخاطر تحول الصحفي إلى أسير لمصادره، خصوصا عندما يصبح المصدر السياسي قادرا على مكافأة الصحفي الذي ينقل الرواية التي يريدها، مقابل معاقبة الصحفي الذي يطرح الأسئلة النقدية من خلال إغلاق أبواب الوصول إلى المعلومة أمامه.
واعتبر المتدخلون أن استقلالية القرار التحريري لا تعني قطع التواصل مع السياسيين أو الفاعلين العموميين، بل تعني بالأساس أن يظل الصحفي قادرا على طرح الأسئلة والمساءلة حتى بعد التواصل مع المصدر، بما يحفظ المسافة المهنية الضرورية بين الصحافة والفاعل السياسي.
كما جرى التشديد على ضرورة التمييز بين الحياد واللامبالاة، خاصة في القضايا المرتبطة بالفساد أو استعمال المال والنفوذ، إذ إن احترام المهنية لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من الوقائع، وإنما يقتضي التعامل معها وفق المعايير الصحفية القائمة على التحقق والمساءلة وتقديم المعطيات للرأي العام.
من تغطية الحملات إلى صحافة المساءلة
وبخصوص تغطية الحملات الانتخابية، خلص النقاش إلى أن الدور الأساسي للإعلام لا ينبغي أن يتوقف عند نقل أنشطة المرشحين ومهرجاناتهم وتصريحاتهم، وإنما يتعين أن يتجه نحو تقديم قيمة مضافة للمواطن من خلال مساءلة البرامج والوعود الانتخابية.
وفي هذا الصدد، جرى التأكيد على أن الصحافة لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد “مراسل للحملة،بل إلى صحافة مساءلة تضع الخطاب السياسي أمام الاختبار، خصوصا أن الحديث عن الوعود الانتخابية لا يمكن أن ينفصل عن الأرقام والمعطيات، كما أن تقديم أي برنامج انتخابي يفترض العودة إلى الحصيلة السابقة للفاعل السياسي أو الحزب المعني.
وشدد المتدخلون على أن الصرامة المهنية ينبغي أن تطبق على جميع الأحزاب والفاعلين السياسيين، مع التأكيد على أن التعددية لا تعني بالضرورة طرح السؤال نفسه على جميع الأحزاب، وإنما تعني إخضاع الجميع للصرامة المهنية ذاتها، مع مراعاة خصوصية كل تجربة وبرنامج وحصيلة.
وفي هذا الإطار، تم التأكيد على أن مسؤولية الإعلام خلال الانتخابات لا تتمثل في توجيه صوت المواطن أو التأثير في اختياره الانتخابي، وإنما في تمكينه من المعلومة الضرورية التي تساعده على تكوين موقفه واتخاذ قراره بشكل واع.
البرامج السياسية والإعلام العمومي
وتوقف النقاش أيضا عند حضور البرامج السياسية في الإعلام العمومي، حيث أرجع المتدخلون محدودية حضور السياسيين في بعض هذه البرامج إلى عدم استجابة عدد من الفاعلين السياسيين لدعوات المشاركة، وهو ما يشكل، بحسب ما تم طرحه خلال الندوة، أحد الإكراهات التي تواجه الإعلام العمومي، خاصة في ظل وجود التزامات مرتبطة بتغطية الاستحقاقات الانتخابية.
كما شكلت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري “الهاكا”محورا آخر للنقاش، إذ تم طرح ضرورة مراجعة اختصاصاتها بما يتلاءم مع التحولات التي عرفها المشهد الإعلامي، خصوصا مع اتساع المجال الرقمي وتغير طبيعة النقاش العمومي.
وفي هذا السياق، اعتبر المتدخلون أن بعض الاختصاصات والأدوار التنظيمية المرتبطة بالمشهد الإعلامي تحتاج إلى إعادة النظر، بما يسمح بمواكبة التحولات التي فرضها العالم الرقمي والمنصات الجديدة.
الذكاء الاصطناعي.. تحد جديد أمام الانتخابات
ومن بين الأسئلة التي أثارت نقاشا خلال الندوة، سؤال حيادية الصحفي وما إذا كان مطلوبا منه أن يكون محايدا بشكل مطلق.
وفي هذا الصدد، طُرح أن الصحفي، باعتباره مواطنا، قد يحمل أفكارا وقناعات وإيديولوجيات خاصة به، وليس مطلوبا بالضرورة أن يتخلى عن وجوده كمواطن أو عن أفكاره الشخصية. غير أن المعيار الأساسي يظل في كيفية ممارسته لمهنته، ومدى قدرته على الفصل بين قناعاته الشخصية وبين القرار التحريري والمهني.
ولم يغب الذكاء الاصطناعي عن نقاش الندوة، خاصة في ظل تنامي انتشار الصور والفيديوهات والمحتويات التي يمكن إنتاجها أو التلاعب بها بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وطرح المتدخلون سؤالا أساسيا يتعلق بكيفية التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المولد أو المعدل بالذكاء الاصطناعي، مؤكدين أن التحدي الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي على التغطية الانتخابية لا يقتصر فقط على قدرة الصحفي على اكتشاف المحتويات المزيفة.
بل إن التحدي الأكبر، وفق ما تم طرحه، يتمثل في تحول الذكاء الاصطناعي إلى جزء من منظومات التضليل السياسي والبيئة الرقمية الجديدة، بما يجعل التعامل مع المحتويات الرقمية خلال الانتخابات أكثر تعقيدا، في ظل سرعة انتشارها وقدرتها على التأثير في الرأي العام.
الصفحات الكبرى ومشكلة التحقق من المعلومة
كما ناقشت الندوة خطورة تنامي تأثير الصفحات الكبرى على شبكات التواصل الاجتماعي في توجيه النقاش العمومي، معتبرة أن الإشكال لا يرتبط فقط بصانع المحتوى الذي تكون آراؤه ومواقفه معروفة لدى المتابعين، وإنما بدرجة أكبر بالصفحات ذات الانتشار الواسع التي يمكن أن تساهم في توجيه الرأي العام دون الالتزام دائما بقواعد التحقق الصحفي.
وفي هذا السياق، تم التنبيه إلى خطورة غياب التحقق من المصدر الأساسي للمعلومة، خاصة عندما تنتقل الأخبار من صفحة إلى أخرى وتتوسع دائرة تداولها دون الرجوع إلى مصدرها الأصلي، وهو ما يطرح، إلى جانب المسؤولية المهنية، سؤالا مرتبطا بمدى وعي الجمهور بكيفية التعامل مع المعلومات المتداولة في الفضاء الرقمي.
وتطرق المشاركون كذلك إلى القانون المنظم للانتخابات، ولا سيما المادة 51 مكررة، في سياق النقاش حول الضوابط القانونية المرتبطة بالمحتويات والممارسات الانتخابية في الفضاء الرقمي، وما تفرضه التطورات التكنولوجية من تحديات جديدة على المنظومة القانونية.
واعتبر النقاش أن مواجهة التضليل الانتخابي لا يمكن أن تعتمد على الجانب القانوني وحده، بل تتطلب أيضا تطوير الممارسة الصحفية، وتعزيز التحقق من المعلومات، ورفع مستوى الوعي الرقمي لدى المواطنين.
واختتمت الندوة بالتأكيد على الحاجة إلى ترسيخ إعلام مهني وتعددي ومسؤول خلال الانتخابات التشريعية المقبلة، بما يضمن حق المواطنين في الوصول إلى المعلومة، ويعزز قدرتهم على تقييم البرامج والوعود والحصيلة السياسية، بعيدا عن التوجيه أو الدعاية.
المصدر:
العمق