آخر الأخبار

الجوع يقترب؟.. المناخ والحروب وأزمة الأسمدة تهدد الأمن الغذائي العالمي

شارك

تتجمع فوق الزراعة العالمية خلال 2026 عوامل ضغط يصعب فصل أحدها عن الآخر، موجات حر وجفاف وحرائق واسعة في أوروبا، اضطراب في تجارة الحبوب بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، ارتفاع في تكاليف الأسمدة، ومخاوف مرتبطة بظاهرة “إل نينيو”، بينما يواجه المنتجون الزراعيون في عدد من القارات احتمال انخفاض المحاصيل وارتفاع تكاليف الإنتاج، بما ينذر بمزيد من الضغوط على أسعار الغذاء خلال الأشهر المقبلة.

وفي مقال بعنوان “الجوع القادم”، نشرته صحيفة “لوموند ديبلوماتيك” في عدد شتنبر 2026، يرسم الأكاديمي التونسي محمد العربي بوقرة صورة مقلقة لموسم زراعي عالمي تتداخل فيه التأثيرات المناخية مع الاضطرابات الجيوسياسية، في وقت تعتمد فيه دول عديدة على استيراد الحبوب أو الأسمدة أو كليهما، ما يجعل أي اضطراب في الموانئ وطرق التجارة أو إنتاج المدخلات الزراعية سريع الانتقال من منطقة إلى أخرى.

حرارة تضرب المحاصيل

شهدت أوروبا الغربية خلال الصيف موجات حر متلاحقة، وتجاوزت درجات الحرارة 40 درجة مئوية في أجزاء واسعة من فرنسا، فيما أتت الحرائق على مساحات كبيرة من الغابات والأراضي، وسجلت إسبانيا بدورها مساحات محترقة أوسع.

ولم تتوقف آثار الحرارة عند الحرائق، فقد انخفضت مستويات عدد من الأنهار الأوروبية، وظهرت في مجاري بعضها صخور تحمل تواريخ محفورة تعود إلى موجات جفاف تاريخية ارتبطت بمحاصيل ضعيفة وارتفاع في أسعار الغذاء، وهي التي تعرف في مناطق من وسط أوروبا باسم “صخور الجوع”.

وفي فرنسا، أظهرت بيانات مراقبة المياه اضطراب تدفقات عدد كبير من المجاري المائية، فيما فرضت 92 مقاطعة قيودا على استعمال المياه، وأصبح نهر السين يعتمد في جزء مهم من تدفقه على المياه المخزنة في البحيرات والخزانات الواقعة أعلى مجراه.

المشكلة انتقلت مباشرة إلى الحقول، إذ تشير بيانات وزارة الزراعة الفرنسية التي استند إليها بوقرة إلى انخفاض محصول الذرة بنسبة 35 في المائة خلال 2026، ليبلغ أدنى مستوى مسجل منذ عام 1980، بينما تحدث مهنيون في قطاع الخضر عن خسائر حادة في محاصيل من بينها الخس والبروكولي والكراث والملفوف والفجل، وصلت في بعض الحالات إلى 100 في المائة.

وفي بلجيكا، تراوحت تقديرات تراجع مردودية الحبوب بين 10 و30 في المائة، وسجل مزارعون بريطانيون بدورهم صعوبات مرتبطة بالظروف المناخية، بما يجعل أزمة الإنتاج الزراعي أوسع من أن تُختزل في بلد أوروبي واحد.

البحر الأسود يعطل الحبوب

تأتي هذه الصعوبات في وقت لم تستعد فيه أسواق الحبوب العالمية استقرارها منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.

وقبل الحرب، كانت روسيا وأوكرانيا تمثلان معا نحو 30 في المائة من صادرات القمح العالمية ونسبة تقارب ذلك في صادرات الشعير، فيما كانت أوكرانيا توفر قرابة نصف الحبوب وربع الدواجن التي يستوردها الاتحاد الأوروبي، بحسب المعطيات التي يستحضرها المقال.

وأدت العمليات العسكرية في منطقة البحر الأسود إلى اضطراب حركة الموانئ والسفن ومخازن الحبوب، وهي منشآت حيوية لصادرات روسيا وأوكرانيا، فيما كانت نحو 90 في المائة من الصادرات الزراعية الأوكرانية تمر عبر موانئ البحر الأسود قبل الحرب.

وتجعل هذه الوضعية البلدان المستوردة أكثر حساسية لأي تراجع جديد في الإنتاج العالمي، فالصدمة المناخية التي تقلص بعض المحاصيل الأوروبية تتزامن مع استمرار الاضطرابات في واحد من أهم أحواض إنتاج وتصدير الحبوب في العالم.

أزمة الأسمدة

الضغط الأكثر تعقيدا قد يأتي من مدخل لا يظهر مباشرة على موائد المستهلكين، لكنه يحدد جزءا كبيرا من مردودية الحقول: الأسمدة.

ويشير بوقرة إلى أن الاضطرابات التي شهدتها منطقة الخليج انعكست على تدفقات مواد أساسية تدخل في صناعة الأسمدة، وهو ما رفع تكاليف الإنتاج وفرض ضغوطا على عدد من المصانع والأسواق الزراعية.

وتحتل المنطقة موقعا مهما في تجارة اليوريا، وهي من أبرز الأسمدة الآزوتية المستخدمة عالميا، إذ توفر إيران والسعودية وقطر والإمارات والبحرين مجتمعة أكثر من ثلث صادراتها العالمية، كما يمثل الخليج قرابة نصف التجارة الدولية في الكبريت.

وتكتسي هذه المادة أهمية مباشرة للصناعات الفوسفاتية، لأن الفوسفات الطبيعي، ومنه الخام المستخرج من المغرب، يحتاج إلى المعالجة بحمض الكبريتيك من أجل إنتاج الأسمدة الفوسفاتية ذات القيمة الزراعية.

ونقل الأكاديمي التونسي عن كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “فاو”، ماكسيمو توريرو، تحذيره من أن اضطراب هذه السلاسل لا يشكل مجرد “صدمة طاقة”، وإنما “صدمة منهجية” تمس النسيج الزراعي العالمي بأكمله.

فارتفاع سعر السماد أو تراجع توفره يعني أن المزارع سيجد نفسه أمام اختيارين كلاهما مكلف، إما تقليص استعماله بما قد يخفض المحصول، أو تحمل تكلفة إضافية تنتقل في نهاية المطاف إلى أسعار الغذاء.

الدول الفقيرة في دائرة الخطر

لا تتوزع آثار أزمة الأسمدة بالتساوي بين الدول، إذ تستطيع الاقتصادات الغنية في العادة تحمل أسعار أعلى أو تقديم دعم مباشر إلى المنتجين، فيما تصبح المعادلة أشد صعوبة بالنسبة إلى المزارعين في البلدان محدودة الموارد.

وتصنف منظمة “فاو”، وفق المعطيات الواردة في المقال، جنوب آسيا ضمن المناطق التي تواجه “خطرا شديدا”، مع صعوبات يواجهها مزارعون في باكستان وبنغلاديش للحصول على الأسمدة بالأسعار نفسها التي تستطيع الدول الأكثر ثراء دفعها.

ويبرز الخطر نفسه في إفريقيا جنوب الصحراء، حيث ينتج صغار المزارعين نحو 70 في المائة من غذاء المنطقة، بحسب بيانات البنك الإفريقي للتنمية التي استند إليها المقال.

وفي هذه الحالة، لا يحتاج الأمر إلى اختفاء الأسمدة تماما حتى تتراجع المحاصيل، فمجرد ارتفاع الأسعار إلى مستويات لا يستطيع صغار المنتجين تحملها قد يؤدي إلى خفض الكميات المستخدمة، ثم انخفاض المردودية الزراعية وارتفاع أسعار الغذاء.

وتكشف التحركات التي بدأت تظهر في الأسواق حجم القلق، فقد قيدت الصين صادرات الأسمدة، وخفض مزارعون أستراليون المساحات المزروعة، بينما طالب منتجو الذرة والصويا في الولايات المتحدة الإدارة الأمريكية بتخفيف الأعباء التي تواجههم.

“إل نينيو” يفاقم المخاوف

وسط هذه الظروف، يبرز عامل مناخي آخر قد يزيد حجم الاضطراب خلال الأشهر المقبلة، ويتعلق الأمر بظاهرة “إل نينيو”، المرتبطة بارتفاع حرارة مياه المحيط الهادئ وما يرافق ذلك من تغيرات واسعة في أنماط الأمطار والجفاف.

وتختلف آثار الظاهرة باختلاف المناطق، إذ قد تؤدي إلى أمطار غزيرة في أجزاء من القارة الأمريكية، مقابل الجفاف والحرائق في أستراليا وجنوب شرق آسيا، إلى جانب اضطرابات مناخية قوية في الشرق الأقصى.

ويشير بوقرة إلى توقعات ببدء موجة جديدة من الظاهرة بين أكتوبر ودجنبر، على أن تمتد إلى ربيع 2027، وسط مخاوف من أن تكون قوية.

وقد ظهرت إشارات أولية في بيرو، حيث دفعت حرارة المياه غير الطبيعية السلطات إلى وقف صيد الأنشوفة لحماية المخزون، وهو قرار انعكس على أسعار مسحوق السمك وزيته، إذ تضاعف سعر الأول وارتفع الثاني إلى ثلاثة أمثال مستواه السابق، وفق المقال.

وفي آسيا، تواجه زراعة قهوة “روبوستا” مخاطر مرتبطة بالحرارة في الهند وإندونيسيا، فيما قد تتأثر مخزونات المياه التي يعتمد عليها مزارعو البن في فيتنام لري أشجارهم، بما قد يضغط على محصول موسم 2027-2028.

المضاربة تزيد الضغط

ولا تنتهي المخاطر عند حدود المناخ والحروب والأسمدة، إذ يضيف بوقرة عاملا مرتبطا بطريقة عمل أسواق المواد الأولية الزراعية، ويتعلق بالمضاربة المالية.

ويستند الكاتب إلى تقرير صدر سنة 2023 عن منظمة “CCFD-Terre Solidaire”، حذر من أن جهات مالية ناشطة في أسواق المواد الزراعية قد تزيد آثار الأزمات عبر المضاربة على ارتفاع الأسعار، مستفيدة من حالة القلق التي تصاحب اضطراب الإمدادات.

وتصبح المسألة أشد حساسية عندما تقع المضاربة في سوق يعاني أصلا من تقلص المحاصيل أو ارتفاع كلفة الأسمدة أو اضطراب طرق الشحن، لأن الأسعار يمكن أن ترتفع بوتيرة أسرع من التغير الفعلي في العرض والطلب.

مئات الملايين أمام انعدام الأمن الغذائي

التحدي الحقيقي لا يرتبط بنقص محصول واحد، وإنما بتزامن مجموعة من الصدمات في الوقت نفسه، فالحبوب تواجه آثار الحرب والجفاف، والأسمدة تتأثر بالاضطرابات التجارية والجيوسياسية، والمحاصيل المدارية قد تدخل مرحلة جديدة من التقلب بسبب “إل نينيو”.

وبحسب المعطيات التي ينقلها بوقرة عن منظمة “فاو”، قد يجد مئات الملايين من الأشخاص أنفسهم خلال 2026 في أوضاع خطرة من انعدام الأمن الغذائي إذا استمرت هذه العوامل في التفاعل.

ولا تعني هذه المؤشرات بالضرورة أن العالم يتجه إلى نقص شامل في الغذاء، لكنها تكشف هشاشة منظومة شديدة الترابط، إذ يعتمد محصول في دولة على الأمطار، وسعر الخبز في دولة أخرى على حركة السفن في البحر الأسود، فيما تعتمد مردودية حقل بعيد على سماد صُنعت مكوناته في منطقة أخرى من العالم.

التحذير الذي يقدمه الأكاديمي التونسي محمد العربي بوقرة ينطلق من هذه الحلقة تحديدا، فالأمن الغذائي لم يعد قضية مرتبطة بقدرة بلد على إنتاج الحبوب داخل حدوده فقط، وإنما بسلسلة طويلة تبدأ بالمناخ والمياه والطاقة والأسمدة، وتمر بالموانئ والتجارة الدولية والأسواق المالية، قبل أن تصل آثارها في النهاية إلى المستهلك.

ومع دخول الزراعة العالمية مرحلة تجمع بين حرارة قياسية وارتفاع تكاليف الإنتاج واضطراب تدفقات السلع، يصبح الاختبار خلال الأشهر المقبلة مرتبطا بقدرة الدول على حماية الإنتاج الزراعي وضمان تدفق الأسمدة والحبوب واحتواء تقلب الأسعار، قبل أن تتحول الأزمات التي تبدأ في الحقول والموانئ إلى أزمة غذاء تمس الفئات الأكثر هشاشة.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا