فيما بدا ردا ضمنيا على حزمة الوعود ذات الكلفة المالية التي تضمنها البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة، حذرت نادية فتاح، وزيرة الاقتصاد والمالية وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، من إطلاق التزامات انتخابية دون احتساب انعكاساتها على مالية الدولة وقدرتها على التنفيذ، معتبرة أن الأمر يتعلق في نهاية المطاف بـ”فلوس المواطنين” وبثقة ناخبين يصوتون على أساس ما يعرض عليهم من برامج.
وقالت فتاح، خلال لقاء تواصلي حاشد نظمه حزب التجمع الوطني للأحرار بمدينة الخميسات، اليوم الجمعة، إن حزبها لا يريد تقديم وعود غير محسوبة، مشددة على أن الرهان، من وجهة نظر “الأحرار”، هو رسم “طريق للأمل” يقوم على خلق فرص حقيقية للشباب والنساء، بدل الاكتفاء بالتزامات انتخابية يصعب الوفاء بها لاحقا.
ورغم أن القيادية التجمعية لم تسم حزب الأصالة والمعاصرة بشكل مباشر، فإن تصريحاتها تأتي بعد أيام قليلة من كشف “البام”، حليف “الأحرار” في الأغلبية الحكومية ومنافسه في انتخابات 23 شتنبر، عن برنامج انتخابي رفع سقف الالتزامات الاجتماعية والمالية، وخصص الحزب لتنفيذه غلافا إجماليا قدره 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، أي بمعدل يقارب 70 مليار درهم سنويا.
ويتضمن برنامج الأصالة والمعاصرة، ضمن “ميثاق القدرة الشرائية”، إعفاء الأجور الخام التي تقل عن 15 ألف درهم شهريا، أي نحو 12 ألفا و500 درهم صافية، من الضريبة على الدخل، وتحديد معدل في 10 في المائة للأجور الواقعة بين 15 ألفا و46 ألف درهم خام، و20 في المائة لما فوق ذلك، إلى جانب رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم، والحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر تدريجيا إلى 1000 درهم للأسرة، فضلا عن مجانية فواتير الكهرباء الشهرية التي تقل عن 100 درهم.
وفي هذا السياق، شددت فتاح على أن الوعود الانتخابية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد شعارات، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالموارد العمومية وبانتظارات الناخبين، قائلة إن المواطن الذي يمنح ثقته في صندوق الاقتراع بناء على التزامات محددة يستحق أن يعرف مسبقا مدى قابلية تلك الالتزامات للتحقق وكيف سيتم تمويلها.
وأضافت وزيرة الاقتصاد والمالية أن الجميع يتقاسم الرغبة في تحسين مداخيل المغاربة ورفع قيمة المعاشات، قائلة: “شكون اللي فينا ما غيبغيش المغاربة يشدو كتر في الأجور اليوم وفي المعاشات غدا؟ كلنا”، قبل أن تستدرك بالتشديد على ضرورة إخضاع هذه الرغبات للحساب، مضيفة: “ولكن نحسبو”.
وبحسب فتاح، فإن السؤال لا يتعلق فقط بحجم الزيادة التي يرغب المواطن في الحصول عليها، وإنما بالموارد اللازمة لتمويلها، والمدة الضرورية لتنفيذها، والشروط الاقتصادية والمالية التي تسمح بضمان استمراريتها، داعية إلى تحديد المسار الذي سيقود إلى تحقيق كل وعد انتخابي حتى لا يجد المواطن نفسه، بعد الانتخابات، أمام التزامات يتعذر تنزيلها.
ويأتي هذا السجال غير المباشر في وقت بدأت فيه القدرة الشرائية والأجور والضرائب والدعم الاجتماعي تتحول إلى إحدى أبرز ساحات التنافس بين الأحزاب قبيل تشريعيات 2026، بعدما وضع “البام” هذه الملفات في قلب برنامجه، بينما سبق للتجمع الوطني للأحرار بدوره أن أعلن أن “الحماية المستدامة للقدرة الشرائية” ستكون من الالتزامات الرئيسية لبرنامجه الانتخابي.
وفي مقابل الانتقادات الضمنية التي حملها خطاب فتاح، يؤكد حزب الأصالة والمعاصرة، في الوثيقة الرسمية لبرنامجه، أن التزاماته ليست مجرد إجراءات منفصلة، بل حزمة مترابطة تستند، وفق الحزب، إلى “آليات دقيقة تحدد كيفية التمويل والتنفيذ”، واضعا النمو والاستدامة الاقتصادية شرطا لتنزيل باقي الالتزامات.
وربطت فتاح تصور حزبها للمستقبل بما وصفته بـ”طريق ديال الأمل” أمام الشباب، يبدأ بالدراسة والتكوين ويمر إلى الولوج إلى سوق الشغل وإنشاء المقاولات والقدرة على الادخار وبناء مشروع حياة، معتبرة أن دور الدولة ينبغي أن يتمثل في توفير الشروط التي تسمح للمواطنين بصناعة مستقبلهم.
وأكدت أن الدولة ستواصل، وفق تصور حزبها، تحمل مسؤوليتها في مواكبة المواطنين وحمايتهم خلال الأزمات، والاستثمار في قطاعات الصحة والتعليم والفلاحة والحماية الاجتماعية، لكنها شددت في المقابل على أن بناء المستقبل لا يمكن أن تتحمله الدولة وحدها، وإنما يتطلب مشاركة المواطنين وخلق دينامية اقتصادية قادرة على إنتاج فرص الشغل والثروة.
المصدر:
العمق