حاوره: شفيق عنوري
في زمن تغيرت فيه علاقة المجتمع بالمعرفة والثقافة، وتراجعت فيه أدوار مؤسسات كانت لعقود فضاءات أساسية لإنتاج الأفكار وتداولها، يبرز سؤال المثقف من جديد: ما الذي تبقى من دوره؟ وهل ما يزال قادراً على التأثير وطرح الأسئلة ومساءلة السلطة والمجتمع، أم أن المجال العام بات يفسح مساحة أكبر لأصوات أخرى، في مقدمتها المؤثرون على منصات التواصل الاجتماعي؟
هذه التحولات أعادت تشكيل شروط الكتابة والتعبير، وعلاقة الفرد بالكتاب والجامعة والصحافة والأحزاب والنقابات. ومع الثورة الرقمية، تغيرت كذلك طرق إنتاج المعرفة واستهلاكها، وبرزت أسئلة قديمة بصيغ جديدة حول استقلالية المثقف، وعلاقته بالسلطة والسياسة، وحدود التزامه تجاه القضايا الكبرى، وقدرته على الحفاظ على مسافته النقدية.
في هذا السياق، تُحاور جريدة “هبة بريس” الإلكترونية الأكاديمي والناقد الثقافي يحيى بن الوليد، حول موقع المثقف المغربي اليوم، بدءاً من علاقته بالدولة والمؤسسات والسلطة، إلى حضوره في المجال العام، وحدود الرقابة والرقابة الذاتية، مروراً بعلاقته بالمؤثر الرقمي وإشكالية تبسيط الخطاب، ووصولاً إلى أزمة القراءة وتحولات علاقة المجتمع بالثقافة والمعرفة. وذلك بهدف العودة بالنقاش إلى جوهر وظيفة المثقف: هل يكتفي بإنتاج الأفكار، أم أن دوره يقتضي أيضاً أن يكون حاضراً، ناقداً وفاعلاً، كلما تعلق الأمر بقضايا المجتمع الكبرى؟
المحور الأول: المثقف
سؤال: حين نتحدث عن “المثقف” اليوم، عمّن نتحدث تحديدا؟ هل لا يزال لهذا المفهوم المعنى نفسه الذي كان يحمله قبل عقود؟
جواب: أوّلا أعتقد أن المثقفين ملازمون للحضارات والثقافة والشعوب واللغات. وحصل ذلك منذ اليونان مع الفيلسوف سقراط الذي دفع حياته ثمنا نظير آرائه المغايرة والمزلزة لما كان مستقرا من أفكار وقتذاك، ولا أحد بإمكانه أن ينفي عن سقراط صفة المثقف بالرغم من اختلاف القراءات. ومن المؤكد أن يتغير مفهوم المثقف اليوم مقارنة مع العقود الأخيرة بالنظر لجملة من المتغيرات وحتى الانقلابات التي حصلت في مجال الأنساق الكبرى والصغرى للفكر والتفكير وفي مجال الإدراك والتصوّر للإنسان والمجتمعات بشكل عام. وهذه المتغيرات لم تسلم منها أيضا تكوينات الثقافة المادية أيضا من مسكن ومطبخ ولباس. وهذه كلها شروط أثّرت على المثقف كإنسان قبل أن يكون عقلا أو ما شاكل ذلك.
أجل لا يمكن أن ننفي عن المثقف شرط الالتزام بمعناه المصاحب والمفتوح وحتى يظل هذا المثقف في علاقة مع المجتمع والمجال العام. غير أن جوهر هذا الالتزام هو ما تعرض بدوره لتحوّل جذري بخاصة في ظل التحوّلات التي عصفت بمجمل المفاهيم العضوية الكبرى بدءًا من الصحافة التي نتحاور في إطارها الآن والأحزاب والنقابات والجامعة والجمعيات المدنية والشارع… وهي كلها ارتكازات كانت تسعف المثقف في فترات سابقة وفي ظل مناخ الإيديولوجي الساخن على الإعلاء من صوته وبلورة أفكاره وكذلك الإصرار على “قول الحق في وجه السلطة” بالتعبير الجامع لإدوارد سعيد؛ بل وإزعاج السلطة بتعبير جون بول سارتر في “دفاعٌ عن المثقفين”. لذلك فإن عبارة مثل عبارة لوثر كينغ “المصيبة ليست في ظلم الأشرار بل في صمت الأخيار” لا تغني عن قولة الجاحظ “إن الصمت عن قول الحق هو في معنى النطق بالباطل”.
ولما أحيل على إدوارد سعيد، هنا، فبوصفه أحد أهم من نظّروا للمثقف في وقتنا الحالي وإن كان يقصد إلى المثقف المنفي أو المنفوي؛ أي مثقف العالم الثالث الجديد ومثقف المستعمَرات السابقة في عواصم الغرب الرأسمالي. وهذا طبعا لا يلغي تصورات أخرى للمثقف مثل المثقف الملتزم عند سارتر والمثقف العضوي عند غرامشي وفيما بعد المثقف النوعي عند ميشال فوكو وفي دلالة على التحوّل سالف الذكر في مجال الأنساق وبالتالي في مجال أداء المثقف وتحديدا لمّا صار هذا الأخير غير ملزم بالخوض في جميع القضايا والألغام إذ عليه الخوض في ما هو نوعي وضروري. وبالإجمال فمساحة أداء المثقف ومجال تحرّكاته تقلصت كثيرا في الفترة المعاصرة.
سـؤال: ما رأيك في المثقف المغربي، هل لا يزال يلعب الدور نفسه الذي لعبه في بناء الدولة المغربية ما بعد الاستقلال؟
جواب: يصعب ذلك في وقتنا الراهن؛ وهذا من تحصيل التحصيلات المعتادة كما يقال، وقد أشرت إلى جملة من المتغيّرات قبل قليل وتفيد في هذا المجال. وحتى مطمح بناء الدولة الوطنية، وسواء في فترة الاستعمار أو حتى بعدها مباشرة، لم يكن بفهم واحد أو موحَّد. فبناء هذه الدولة في تطلعات المهدي بن بركة مثلا كان محكوما بـ”اختيار ثوري”. وهو ما جعله يصطدم لا مع الدولة الوطنية فقط، وإنما مع السياق عالمي؛ وهو ما أفضى به إلى أن يقع ضحية لواحدة من أبشع الجرائم السياسية في القرن العشرين. المفكر علال الفاسي، والمعاصر له زمنيا، يطرح سياقا آخر ولا داعيَ للتصنيف. ويكفي أن نقرأ مواقفه بخصوص المرأة في فترة الاستعمار وكيف انقلبت جذريا في سياق دولة ما بعد الاستعمار.
بخصوص مطلب الدولة فهو لا يزال قائما، لكن لا ينبغي جعل المثقف يصطدم بالدولة. لا ينبغي، في نظري، جعل هذا المثقف يبدو “ساقطا بين كرسيين” كما يقول الفرنسيون وتحديدا متى ما تعلق الأمر بالعلاقة التي تصل ما بينه والدولة. صحيح أن المثقف هو ضرورة لأي مجتمع من المجتمعات؛ لكن الدولة ضرورة هي الأخرى بما أنها تحمي من الانفجار. وعلى هذا أو من باب النظرة الضيقة تلخيصها في الحكم أو الإدارة أو المخزن وأشكال من السلطة فقط أو “مخلفات السلطنة” بتعبير البعض. وإضعافها أو محوها، ومن وجهة نظر تاريخية، يفضي إلى “البلقنة” والفوضى وإلى الحد الذي لا يعرف فيه القاتل من القتيل. وفي السياق المغربي، وحسب عبد الله العروي فيما أظن، “الملكية تلعب دوراً ضامناً للاستقرار، وخصوصا أنّها تضمن الفصل بين الديني والسياسي”. وهذا لا يعني مسايرة المثقف للدولة بالمطلق. والربيع العربي جاء نتيجة ضعف الدول العربية أو جعل النظام يعلو على هذه الدول. دولة الحزب الواحد ودولة العشيرة ودولة الطغمة العسكرية…. إلخ. وليس غريبا أن يكون مطلب “الدسترة” من بين المطالب الأساسية في ثورات العالم العربي إلى درجة أن هناك من نعتها بـ”ثورات الدسترة” ضمن نعوت أخرى.
سؤال: ارتباطاً بالسؤال ذاته، ما المُتغيرات الذاتية أو الموضوعية التي ساهمت في استمرار المثقفين في لعب الدور نفسه، أو عدم لعبه؟
جواب: الظاهر هناك صعوبة في الفصل أو التمييز بين المتغيّرات الذاتية والمتغيّرات الموضوعية، لأن المثقف يظل مشروطا بالمجتمع الذي يستوعب سائر مثقفي بلده وكذلك بالإقليم الثقافي أو المنطقة الجغرافية التي ينحدر منها والمجموعة الهوياتية التي ينتسب إليها وكذلك التصوّر الإيديولوجي الذي يقارع من أجله سواء عن وعي أو غير وعي. وأتكلم عن الإيديولوجيا، هنا، بوصفها أفكارا تحفّز على التفكير ومهما كان الخلاف حولها. إجمالا المثقف لا يتحرّك في الفراغ أو الهواء الطلق. فهو محكوم بكل هذه المعايير التي تتحكم في المجتمعات. وهو ما يجعل المثقف جزءا من مجموع معقد.
وهناك متغيرات بل هناك عنف في هذه المتغيّرات التي بلغت حدّ التحولات الجذرية. وهناك تحولات لا في أنساق التفكير فقط كما أسلفت بل وفي مجال القيم. العالم صار يسير في أكثر من اتجاه وفي الوقت نفسه؛ ممّا أربك المثقفين والمفكرين. عالم متصل بشكل غير مسبوق نتيجة وسائل الإعلام والثورة الرقمية، وهو ما أعطى مجتمعا مغايرا، وهو ما يصطلح عليه اليوم بـ”مجتمع الشبكة” أو “مجتمعات الشبكات”. وصار هناك ارتهان كامل للقوى الاقتصادية الخارجية في نطاق ما اصطلح عليه من قبل بالعولمة التي التهمت البقية الباقية في حال الشعوب المغلوبة. وهو ما أفضى على صعيد الثقافة إلى أشكال من الانفجار الهوياتي والثقافي وبالتالي تفكيك الهويات الجماعية والفردية. هناك غياب للتقاطب الإيديولوجي على مستوى العالم، والهيئات والمؤسسات الدولية صارت شبه موحّدة أو آليات لفرض الأمر الواقع وتنزيل خرائط على المقاس وبما يدعم توجهات القوى العظمى.
وعلى صعيد الطرح الإيديولوجي لم تعد هناك مكانة للدولة اليعقوبية، يعني لغة واحدة وهوية واحدة وإيديولوجيا واحدة… وهذا ما كان يسعف المثقف على البروز في سياق المناخ الإيديولوجي السابق. اليوم تغيّر مفهوم المثقف والمفكر والكاتب. يصعب أن يطلع علينا أحد بمشروع محدّد على غرار مشاريع أمثال العروي والجابري والمنجرة والخطيبي وفاطمة المرنيسي. وهذا ما خضت فيه ببعض التفصيل في كتابي “أين هم المثقفون العرب؟”. والعنوان أبعد عن السؤال المجرد بما أن صاحب الكتاب سعى إلى الخوض في إشكالات السلطة والدولة والأنظمة والاستعمار الجديد وحتى الاستعمار الفقهي كما يسميه البعض. والخوف، هنا، من تراجع المثقفين أو استقلاتهم أو أفولهم أو غيرها من التصوّرات التي تفسح المجال لذلك الصنف من الخبراء الذين لا يكتفون بالتطاول على أدوار المثقفين وإنما بيع “استشارتهم” للأطراف التي تدفع أكثر ودون أن يهمّ هؤلاء مصادر أوليائهم الجدد.
سؤال: من ضمن الانتقادات التي تُوجّه للمثقف، مرتبطة بـ”اللا موقف”؛ هل يمكن للمثقف أن يكون محايداً في القضايا الكبرى؟ أم أن هذا الانتقاد مبالغ فيه، وأن المجتمع يحمّل المثقف أكثر مما يحتمل؟ إذ هل يعقل أن يكون المثقف مجبراً على إعطاء موقف من كل شيء؟ كما أن اللا موقف، موقف أيضا؟ ما رأيك؟
جواب: على ذكر “هل يعقل” تحضرني عبارة ألبير كامو بخصوص المثقف الذي هو في نظره “الشخص الذي لديه عقل يراقب نفسه”. وحتى على صعيد الجذر اللغوي للمثقف هناك ركيزة العقل، وثمة من يترجم (Intellectualisation) بـ”العقلنة”. ودعنا من شيطنة المثقفين ومن خطابات النقض التي تتحدث عن “اغتيال العقل العربي” بعامة ونهاية هذا العقل في نطاق خطاب النهايات التي لحسن الحظ أو لقوة شرط التاريخ تلاشت إلى حد ما.
وبخصوص اللاموقف صحيح أنه بإمكان اللاموقف أن يكون موقفا أيضا، لكن ليس في جميع الحالات أو مع جميع المستجدات والأحداث الكبرى التي تخص المجتمع وتهز جميع أطيافه. وكما في التداوليات هناك وقائع وأحداث تسمح للمثقف أو المتكلم بوجه عام بأن يعلن صوته بـ”صوت المؤذن” كما يقال ودونما مواربة أو دوار أو خوف. وهناك أحداث تستلزم تصريف الموقف، لكن بشكل غير مباشر وعن طريق التلميح والترميز أو عن طريق تطعيم أو بالأدق تعميد الموقف بأقوال منسوبة للآخرين مع إضفاء بعد ذاتي عليها من قبل المثقف؛ وهذا يوفر للمثقف مخرجا معيّنا بقدر ما يضمن له تصريف موقفه. وهناك حالة ثالثة لا ينفع معها حتى تصريف الموقف بهذا الشكل غير المباشر. ومن هنا الصمت أو الموقف كتعبير عن الرفض والسخط.
وفي كل الأحوال ليس مطلوبا من المثقف التدخل في جميع الأحداث وبخاصة أحداث الساعة أو الأحداث الجارية التي تتغير مثل أحوال الطقس في أحيان كثيرة. ينبغي التمييز بين المثقف والملاكم. ولا ينبغي أن نجعل من المثقف ملاكما أو أن ندفع به إلى الحرائق. المثقف لا يمكنه التدخل في كل صغيرة وكبيرة. لابد من المسافة مع الأشياء، ولابد من التريث. وطبعا لا شيء يعلو على النقد كما يقول الفيلسوف كانط. غير أن المثقف ليس هو القاضي الملزم بإصدار حكم في حينه. غير أن هذا لا يعفي المثقف من التعاطي مع الألغام وعلى نار هادئة كما يقول الأنثروبولوجيون. وعلى هذا المستوى هناك تراجع في أداء المثقفين؛ وهذا جلي ولا يدعو للتستّر برغم كل العوائق سالفة الذكر.
سؤال: إن كانت الوظيفة الأولى للفيلسوف هي طرح الأسئلة، فما وظيفة المثقف؟ هل تبقى حبيسة هذا الإطار أم أنها تتقدم نحو تقديم الأجوبة والحلول عن إشكاليات المجتمع؟
جواب: إن ما نفتقد إليه هو ثقافة الأسئلة إذا ليس هناك ما أصعب وأخطر من أن نطرح ذاك الصنف من السؤال الذي يستدرج الجواب أو الأجوبة المواقفية. لذلك على المثقف عدم التمترس وراء الأسئلة الحالمة أو الواهية… وكما يقول المؤرّخ المفكر عبد الله العروي في كتابه “مجمل تاريخ” “التهرّب من الأسئلة الجوهرية قد يشجع على استبدالها بأخرى تافهة وأحيانا تغليطية”. والعروي ذاته، ومن هنا أهميته الفكرية، نموذج دال على المثقف أو المفكر الذي لا يكف عن طرح “الأسئلة دون كلل أو عياء”.
لابد من الأجوبة المعقلنة ولابد من التدخّل الهادئ والنابه. فالخلط مثلا بين ما هو سياسي وديني يعدّ تحديّا كبيرا ولا تنفع معه المراوغة. ونحن هنا أمام “أدلجة الدين” أو تسليعه؛ وهي آفة خطيرة لا تزال تتواصل حتى الآن. وطبعا هناك من المثقفين من ينأى عن الخوض في الموضوع حتى لا يدخل في سجال مع الداعية أو من يسير في اتجاهه بالنظر لغياب قاعدة معرفية مشتركة بينهما وعلى الأقل من ناحية القبول بالحوار في حد ذاته وبمنأى عن التصنيف الذي يبلغ حد التكفير أو ما يسير في هذا الاتجاه. هذا مثال فقط. وهناك أمثلة أخرى كثيرة، في فهم الدين واستعمال السياسة والهوية، لا ينفع معها السؤال المهزوز والمهزوم. والمثقف مطالب أيضا بنقد ذاته وتحديدا من ناحية مدى تعاطيه مع المواضيع التي تخصّ الشأن العام الذي هو معيار لتعريف المثقف ضمن تعاريف أخرى.
المحور الثاني: المثقف والسلطة
سـؤال: هل المثقف يحتاج إلى مسافة من القوى السياسية والاقتصادية حتى يحافظ على استقلاليته، أم أن هذه المسافة قد تحكم عليه بالعزلة وفقدان التأثير؟ بمعنى آخر، هل سمو الغاية يُبرّر الوسيلة؟
جواب: المسافة ضرورية على مستوى المقاربة بصفة عامة، وهي من علامات المنهج كتفكير وازن وتصوّر متعمّق. والمنهج المضمر هو الذي يحمي المثقف من الإسقاط والخلط والتسرّع والعشوائية والشعبوية والأحكام المسبقة والجائرة في الأغلب الأهم. والمثقف لا مفر له من ماكينات السياسة والاقتصاد. قبل ذلك السياسة لا تنفصل عن الاقتصاد. والاقتصاد اليوم أو قوة الاقتصاد هي التي تهندس قوة السياسة. ثم إن الإنسان الاقتصادي صار أمامنا كما يقال. غير أن الاقتصاد في آخر المطاف نظريات تدرّس في المعاهد المتخصصة كما هو الشأن بالنسبة للسياسة التي هي الأخرى نظريات لها معاهدها. فلا مجال للأهواء هنا. لكنهما معا لا ينفصلان عن الثقافة. فالازدهار الاقتصادي الياباني، مثلا، نهض أساسا على ميل “عقيدة الـ “زن” إلى تحقيق الكمال في كل شيء ولا في فنون القتال فقط”. فالثقافة تسهم في ازدهار الاقتصاد وتحصين السياسة. وعلى هذا الأساس يمكن الحديث عن الفهم الثقافي للسياسة والاقتصاد؛ وعن إمكان المثقف للتدخّل فيهما.
صحيح أن المثقف غير مطالب بالاطلاع على آخر النظريات في العلوم السياسية ولا بالتمييز بين اقتصاد السوق والتنافسية أو المبادرة الحرة ونقيضهما الاقتصاد الموجّه أو اقتصاد المونوبول؛ لكن هذا لا يعفيه من التدخّل كما أسلفت. وخطورة المثقف من أخلاقه أو من الإتيك (Ethique) كما يسميه الفرنسيون. فالمثقف بإمكانه أن يزاول النقد العام على هذا المستوى. وليس هناك ما هو أخطر من ترك الاقتصاد لرجال الاقتصاد أو السياسة للسياسيّين والدولة للعسكر. صحيح أن المرء ليس بإمكانه أن ينتقد مدرب المنتخب الوطني لكرة القدم إلا أن هزيمة هذا المنتخب ثلاث أو أربع مباريات متتالية يدفع الفرد إلى أن ينتقد المدرب على خططه. وكذلك المثقف بإمكانه، بل من واجبه، أن ينتقد حيتان النهب والفساد التي أكلت الأخضر واليابس وشوّهت الاقتصاد والسياسة معا.
سؤال: في المغرب، ما حدود الكتابة؟ هل تعتقد أن المثقف المغربي يمارس رقابة ذاتية قبل أن تمارسها عليه أي جهة أخرى؟
جواب: فعلا المطلوب هو تعميق شرط الكتابة. ومشكلتنا أننا نتكلم أكثر ممّا نكتب. كما نتكلم أكثر ممّا نقرأ. والكتابة، هنا، ليست كتمرين لغوي زائد وإنما كتدخل مسؤول وتحليل نابه. للأسف صار الكل يكتب اليوم وبطريقة هجينة ما لم نتحدث عن المستفيدين من الذكاء الاصطناعي والروبوتات والخوارزميات؛ وهو ما أربك المثقف الذي يتصوّر الكتابة معاناة وفعلا نبيلا ومزاجا عليه أن ينتظره أحيانا ساعات بل وأياما حتى يستوي هذا المزاج الذي تنتج عنه الكتابة.
وفي ما يتعلق بالرقابة، وخاصة مع الالتباس الذي قد تنطوي عليه ترجمة المصطلح للغة العربية، ينبغي التمييز بين المراقبة (Surveillance) ، كما في حالة وسائط التواصل الاجتماعي وتحديدا من خلال جمع المعنيّين بالأمر لبيانات ومعلومات عن مستخدمين محدّدين لرصد أفكارهم وأنشطتهم وتفاعل الأفراد والمجموعات مع منشوراتهم… إلخ. وأمّا الرقابة ( (Censure) فلا مجال فيها للظلية أو العمل من وراء الشاشة بحيث يتمّ التدخل المباشر للتشويش على الأشخاص أو إزعاجهم وحتى حظر كتاباتهم ونصوصهم؛ وهو ما ينظر إليه كشكل من أشكال التسلط وانتهاك حرية التعبير.
وعلى ذكر السلطة فهي توجد في أيّ مكان كما يقول فوكو. ولا ينبغي أن نتغافل عن أن فوكو هنا يقصد “علاقات السلطة” التي هي “علاقات إنتاجية قبل كل شيء”. وكذلك “حيثما توجد السلطة توجد المقاومة”. وهنا تبرز أهمية الكتابة في مواجهة ذلك النوع من السلطة التي تصرّ على الامتثال والإخضاع. وبالإجمال فالثورة الرقمية حدّت من الرقابة، واليوم لم يعد ممكنا منع الكتب بالطريقة التي سادت من قبل. لكن على أرض الواقع فالمثقف المغربي يمارس رقابة ذاتية قبل أن تمارسها عليه أي جهة أخرى. وهناك مبرّرات. ففي ظل المجتمع الشبكي الناس لا تقرأ للمثقف، وهناك مجموعات لا تقوى على ما تعدّه شقشقة للدماغ بل وتهجم على المثقف من أوّل وهلة. وتمضي مباشرة إلى التشهير والتشويه بالمعنى الفرويدي للكلمة. وهناك في مقابل ذلك من ينجح في التعاقد مع صنف من الإعلام الموجّه في نطاق لا تلميع صورته فقط، وإنما تشويه كل من ينتقده أيضا. وصار هذا مكشوفا بحيث تجاوز الأمر التغطية والمتابعة والحوار الصحفي نحو التكرار ومباركة هؤلاء.
وهو ما يجعل المثقف يتراجع لا من تلقاء ذاته وإنما لهذه الأسباب الخارجة عن إرادة المثقفين. وهناك نشطاء ومجادلين لا ينال منهم مثل هذا الهجوم؛ بل يتغذون عليه. وعلى هذا المستوى وجب التمييز بين المثقف النقدي والناشط الزعيم. وقد يبدو جليا كيف تحوّل وجذريا المجال الذي كان من خلاله المثقف يظهر كضرورة تفرضها المرحلة. وحتى الحادث الحافز تغيّر واختلطت البدائل في ظل المقاربات الاختزالية. ولعل هذا ما أربك المثقف أيضا.
سؤال: هل يمكن للمثقف أن يكون فاعلًا سياسيًا دون أن يفقد صفته كمثقف؟
جواب: أولا من المفيد التمييز بين السياسة والسياسوية التي يقوم على تلك اللغة المصممة على تثليث المربع وتربيع المثلث. والسياسة، ومن خارج كونها مفهوما نبيلا وأبدا، هي بعد من أبعاد الإنسان. والسياسة توجد في أيّ مكان كما يقول إدوارد سعيد في كتابه “تمثلات المثقفين”. غير أن السياسة بالنسبة للمثقف بغير معناها المادي الإجرائي وحتى المباشر. وفي فترة سابقة كان الانتماء للأحزاب اليسارية سلسلا. ومن غير أن يعني هذا أن كل من ينتمي للأحزاب أو كل من ينزل للشارع أو يوقّع بيانا هو مثقف بالضرورة. واليوم تغيرت السياسة ذاتها مع وحوش لسياسة الذي يغيّرون قوانين الأحزاب من أجل الاستمرار وبحثا عن نصيبهم من الكعكة. صارت السياسة “خردة بالية”. صار التنظيم ذاته في الهيئات السياسية عائقا سياسيا. وهؤلاء لا صلة لهم بالحداثة السياسية وفي مستوى السلوك السياسي ابتداء أو أولا وقبل كل شيء. وهؤلاء لا يجدي معهم أداء المثقف ومقاومته ولا ثنائية حتى “السيف والقلم”. والمثقف ليس بذلك الثعبان الذي يتربص بحفرة السياسية.
لكن السياسة تظل حاضرة، وشرط أساس أيضا بالنسبة للمثقفين. وقد ذكرت إدوارد سعيد الأكاديمي قبل إدوارد سعيد وهي مناسبة لكي أضيف كيف استطاع أن يزعج عتاة السياسة والتنظير السياسي، ومن المتصهيّين المتخترين، في نيويورك عاصمة أمريكا والعالم. كذلك محمود درويش الذي أزعج الإسرائيّين في إسرائيل بنصوصه الشعرية التي تشمل فلسطين والوجود الإنساني معا. وكذلك رسومات الفنان ناجي العلي. وغير هؤلاء وكل في مجاله. والغاية من هذه الأمثلة كيف استطاع الأدب والفن أو الثقافة بصفة عامة من أن تعكس هوية فلسطين وأن تدافع عن قضية فلسطين أكثر من السياسيّين المباشرين وغير المتكاملين. فالسياسة جوهر إنساني أيضا. وهناك نماذج من خارج فلسطين ومن المغرب أيضا ولا داعي للتسمية وإن كانوا معدودين جدا.
سؤال: إلى أي حد يستطيع المثقف أن يحافظ على استقلاله وهو يستفيد من مؤسسات الدولة، سواء عبر الجامعات أو الجوائز أو الدعم الثقافي؟
جواب: أجل إن السلطة “فائقة العيوب” كما يقال، ثم إن إصرارها على من يخدمها، من منظور التبعية والولاء، لا يُحَدّ، والإغراءات التي يواجهها المثقف النقدي والصلب هي بدورها مبسوطة وجارفة في آن. وعلى هذا الأساس يمكن النظر إلى ما أقدمتَ على ذكره، من مؤسسات الدولة، كشباك لاصطياد المثقف وإرغامه على المسايرة أو الصمت على الأقل. ولـ”كل عين العقل نقطتها العمياء” كما يقال أيضا. وصحيح أن هناك عوائق بنيوية وجامحة فرملت أداء المثقف بل وأرغمته على الاستقالة. لكن برغم ذلك كله هناك سند الإرادة، وأن يكون المثقف مع السلطة أو ضدها هي مسألةٌ ترتبط بهذه الإرادة أو الاختيار المدروس أو غير المدروس. وكذلك بالرغم من مجمل التغيّرات الحاصلة في مجال الفكر فإن مسألة الأخلاق، ما تزال تفرض ذاته وبخاصة لمّا تلتحم هذه الأخلاق بسلاح النقد الذي يقع في ما يمكن نعته بـ” الأساس التكويني” للمثقف.
وبخصوص المؤسسات لا أعتقد أن المثقف يفقد استقلاليته بمجرد ن يرتبط بمؤسسة من مؤسسات الدولة. فالجامعة ضرورية للأكاديمي مثلما هي مفيدة بالنسبة للمثقفين والكتّاب أيضا. فالتأطير الجامعي، وبما يتطلبه من إعداد، يسعف أيّ كان على تطوير ذاته وإغناء ثقافته. والمثقف ليس هو النزول إلى الشارع فقط، وهذا النزول وما يجاوره لا يصنع المثقف كما قلت من قبل، إذ لابد من مزيد من التكوين في مجال الفكر والمناهج المستجدة والمستحدثة. والوقت المتاح للمثقف الجامعي يسمح له بكل ذلك. لكن دون تفريط في الأداء الجامعي المسؤول والهادف وتحديدا على مستوى تمكين الطلبة والباحثين من المعرفة أو إنتاج المعرفة.
وبالنسبة للجوائز فهي ليست عيبا لكن شريطة أن ينتج المثقف، أو الكاتب بوجه عام، ومن بعد تأتي الجائزة. أمّا أن يتمّ تصيّد الجوائز، أو الإنتاج بهدف نيل الجوائز، فهذا غير متفق عليه. وهناك من ينال جوائز دونما استحقاق. وهناك من ينتقدون الجوائز وتجدهم من أوائل المشاركين فيها. وهذا يدخل في نطاق النقد المرضي. الجوائز ضرورية لتحسين وضع المثقف، وهي تغيّر النظرة للكتاب والنقاد والمثقفين وبعيدا عن “خواء الشهرة” كما أسماها الكاتب البرتغالي العالمي سراماغو. وطبعا لا يعني هذا الإقبال على أي جائزة من الجوائز. وفي المغرب وللأسف الجوائز قليلة جدا. جائزة أو جائزتان لا تكفيان. أستغرب لغياب جائزة الجابري في قراءة التراث المغربي والعربي وجائزة العروي في الفكر الحداثي والتاريخي وجائزة فاطمة المرنيسي في النقد النسائي وجائزة غلاب أو غيره في الرواية المغربية.
وبخصوص الدعم الثقافي فأن يكون ولو بالصيغة الواردة في المغرب حاليا أفضل من ألا يكون. وأظن أن الجهات المعنية، بقطاع الثقافة، مطالبة بإيجاد مخرج في الموضوع، وبما يضمن بعضًا من حقوق المؤلف، وكذلك حتى لا تترك هذا المؤلّف وجها لوجه مع ذلك الصنف من الناشر الذي لا فرق بينه وبين المنشار. ولعل الأهمّ أيضا، وهذا هو الغائب، هو دعم المشاريع والأبحاث ذات الصلة بالهوية المغربية في ثرائها وتنوّعها الخلاق. هناك غياب في هذا المجال. والمثقف مطالب بالتفكير على هذا المستوى أيضا، في هذه الصناعة الثقافية الثقيلة، حتى لا يتم تلخيصه فقط في نقد السلطة فقط.
المحور الثالث: المثقف والمؤثر
سؤال: هل ساهم الإعلام الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي، في توسيع حضور المثقف وتأثيره، أم العكس، خصوصا أمام صعود “المؤثر”؟
جواب: الإعلام الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي لم تغيّر أنساق التفكير وأساليب الإدراك فقط، وإنما غيّرت النوع البشري برمته. والمشكل في العالم العربي أننا نقف عند المعلومات فقط، المعلومات التي تموت من تلقاء ذاتها. الرهان على تحويل المعلومات إلى معرفة أو ما يسهم في توسيع دوائر المعرفة. ولا يعني هذا أن نكون ضد الرياضة. فلاعبي كرة السلة وبعض ألعاب القوى في الولايات المتحدة الأمريكية هم أساطير. وكذلك بعض نجوم الغناء. ودائما أقول لطلبتي ما المانع من أن تكون عارفا ببعض تفاصيل أغاني الراي. فأنت تدّرس تلميذا أو تلميذة أو طالبا يأتيك مباشرة بعد أن استمع لأغنية “طريق الليسي عقبة” لمّا كان في طريقه للمؤسسة التعليمية. بالإجمال اليوم كل شيء صار يمرّ عبر الشاشة، تراجعت الجرائد والمجلات الورقية. والمثقف مطالب بالاستفادة من هذا الإعلام أو هذه الشاشة وبما يدعم حضوره ويحافظ على مواقفه وإسماع صوته.
سؤال: ما علاقة المثقف بالمؤثر، وهل يمكن القول إن الثاني أخذ مكان الأول؟
جواب: ينبغي الفصل بينهما. المثقف في آخر المطاف هو المثقف سواء بأفكاره المرتبة والنابهة وكذلك بلغته السلسة. عكس المؤثر الذي يكتب دون فرامل أو خطوط حمراء، زيادة على الرغبة في التأثير والشهرة. وهكذا يتحوّل المؤثر إلى مُنتج ومُنتَج بل وسوق مفتوح للسيوف الخشبية. لكن هذا يظل جانبا ولا يمثل جميع المؤثرين في الرأي العام. وقد شاهدنا بأم أعيننا كيف أسقط الفايسبوك وهذا الإعلام الرقمي عتاة الديكتاتورية في العالم العربي. صحيح أن الأمر لم تترتب عنه الديمقراطيات المنشودة، ولا التغيّر الملموس في نمط العيش، لكنه غيّر جذريّا قواعد اللعبة أو أسقط التاج عن حكام كان لن يزيحهم عن الكرسي إلا المرض أو السجن.
لا ينبغي التقليل من شأن مؤثري الـ”سوشيال ميديا” بخاصة من ناحية ما يصطلح عليه بـ”اقتصاد الانتباه” الذي هو مجال التأثير وفي أقل وقت ممكن مقارنة مع كتابات المثقفين المسترسلة وخطب السياسيين الطويلة والثقيلة. ثم إن المؤثر فرضته تحوّلات بنيوية وأعطاب في السياسة. من قبل تحدثنا عن السياسة والأحزاب. ومؤكد أن مثل هيئاتنا السياسية لا تقبل بالشباب والرأي المختلف بحكم نزوعها التسلطي وتعاملها مع هذه الهيئات وكأنها ملك لها ولعائلتها. وهذا ما أفسح المجال للمؤثرين، وتحديدا من “جيل الشبكيّين”، للتعبير عن أفكارهم وحتى السخرية من وحوش السياسية وحسابات هؤلاء. وهناك، ولو من باب السؤال، من يسأل: كيف غيّر هذا الجيل معالم السياسة والمجتمع في المغرب. وهناك صنف من المثقفين بالمغرب، وممن يتكلمون عن الألغام مثل الدين أو العرق أو الهوية أو المكبوت، صاروا أشبه بالمؤثرين وحتى لغتهم قريبة من الشفاهية الفايسبوكية. وأخطر ما في الأمر أن يستحوذوا على المشهد العام بمفردهم. والأمر لا يمكن اختصاره في مجرد “هوية رقمية” في منصات تفاعلية.
سؤال: هل بات المثقف مجبرا على تبسيط خطابه حتى يُسمع؟
جواب: عند الأنجلوسكسون هناك تمييز بين التبسيط والنزعة التبسيطية. التبسيط مخل بأفكار المثقف أو المفكر عكس النزعة التبسيطية التي تسعفه على بسط أفكاره. ولنا مثال في المغرب هو المهدي المنجرة الذي رفعت صوره في الربيع العربي نظرا للغته المفهومة والمقرّبة من الشباب في مجال نقد الإمبريالية وفي مجالات أخرى. الجابري بدوره مقروء على نطاق واسع بالنظر للغته المقربّة من جمهور القراء عكس العروي الذي يعتمد لغة مفهومية تتعذر أحيانا على النخبة المثقفة ذاتها. ولعل في هذه الأمثلة ما يعكس مستويات في التفاعل مع أفكار هؤلاء. وعلى أساس من هذا التفاعل والتأثير يتحدّد أداء المثقف. ومن هنا ضرورة نزول المثقف للمقال الكثيف والمقتضب حتى يتواصل مع أكبر عدد من الناس. وهذا ما لا يمنع من نشر هذا المقال في المواقع الإلكترونية الرائجة على نطاق واسع ودون تنازل عن عرش التحليل والموقف المضمر. وقد فطن البعض لهذا في المغرب. فالأكاديمي والمؤرخ والكاتب والصحفي والروائي… كل واحد منهم بإمكانه أن يؤدي دور المثقف شريطة الخروج للمقال الذي لا مجال فيه للتبسيط الأعوج.
المحور الرابع: المثقف والمجتمع… في مفترق الطرق
سؤال: هناك مثقفون، مشهورون عربيا أكثر بكثير من الشهرة التي يتمتعون بها على مستوى المغرب. يقول البعض إن السبب هو تراجع القراءة. هل تتفق مع هذا المبرّر؟
جواب: لا ينبغي للشهرة أن تكون هي الهاجس الوحيد والأوحد للمثقف ومنتجي المعرفة بعامة، والأمثلة على الذين اشتهروا بعد فترات في حياتهم وحتى في مماتهم كثيرة. ولا داعي للرجوع لفراغ الشهرة الذي أشرت إليه من قبل. شهرة اليوم وليس الغد. وهناك من يقاتل على هذه الشهرة، وقد ينجح وهم قلة فيما لا ينجح آخرون. وبصفة عامة لا ينبغي أن نبخس قامات المغرب في مجال الفكر بخاصة، والمفكر بدوره بإمكانه أن يقوم بدور المثقف، في البلدان العربية. واليوم صارت هذه الشهرة في التراجع مع الأجيال الجديدة.
وبخصوص القراءة في المغرب، وكما سألتم، فهي كارثة ثقاقية بمعناها السوسيولوجي وبجميع المقاييس. الناس أو أغلب الناس حتى لا نعمّم لا تقرأ. وهذا ما يمكن التأكد منه لا من خلال بيانات القراءة ومعدّلات النشر وأرقام القراءة. يكفي أن نتأمل في محيطنا المباشر. فأنت لا تصادف الكتاب إلا نادرا أو إلا لدى البقية الباقية في ظل مشهدنا الثقافي المختل. والأفظع هو نوع من الكراهية المبطنة للكتاب وفي صفوف من هم مفروض فيهم أن يقتنوا الكتاب وأن يقرأوه. لا نطالب بالقراءة بدون توقف وفي جميع الاتجاهات؛ هذا مستحيل اليوم. لكن غياب القراءة وعدم ارتقائها لتقليد ضمن تقاليد مجتعنا وخدمتها لنمط مجتمعنا… لا يعمل إلا على توسيع الكارثة. وبخصوص هجرة المثقفين من خلال نشر كتبهم في البلدان العربية فهذا وارد، والعديد من دور النشر العربية، وليس بالضرورة في مصر، لا تتوانى في النشر للمغاربة… عكس أغلب دور النشر بالمغرب التي تفكر بمنطق الربح ولا غيره.
سؤال: ألا ترى أن المثقف والمجتمع، سلك كل منهما طريقا مختلفا، وتباعدت اهتماماتهما؛ مجتمع يتغير بسرعة كبيرة، ومُثقف ما إن يفهم اهتمامات راهنة حتى يجد نفسه أمام تغيرات جديدة؟
جواب: لن أنسى ما قالته الراحلة السوسيولوجية فاطمة المرنيسي عن المغرب في آخر حوار قبل موتها في مع مجلة “سيدتي” من أن “هناك انفلات قيمي ولا شيء تحت السيطرة”. وبالتالي ما الذي بإمكان المثقف فعله أمام هذا الانفلات أو التجريف الحاصل في مجال القيم التي هي أساس المجتمعات. كل المفاهيم العضوية تزلزلت بدءا من مفهوم الأسرة والمدرسة والجامعة والحزب والنقابة. وربما كانت المنظومة التربوية هي الضحية الأكبر. وعلى صعيد التحصيل المعرفي هناك نزوع نحو التلاخيص بل الأمر تجاوز “جيل الملخصات” نحو الاعتماد الأعمى على الذكاء الاصطناعي ودون بذل مجهود في الحد المقبول لا أكثر. هناك نزوع نحو التملك والاستهلاك.
المصدر:
هبة بريس