تدوينة لمصطفى الرميد المحامي ووزير العدل السابق ////
قام المحامون باعلان اضراب شامل، بسبب القانون الجديد المنظم للمحاماة، وهو اضراب بدأ منذ ان كان القانون مشروعا بين يدي البرلمان، واستمر الى مابعد صدور القانون في الجريدة الرسمية.
وقد اتسم النقاش بشانه ،بشيء من التجاوز والانفلات، بوسائل التواصل الاجتماعي ،خاصة لدى بعض الفئات المهنية، حد الإساءات البليغة للمخالفين ، دون احترام للاعراف والتقاليد الرفيعة، التي كانت محل تميز المهنة وسموها..
غير انه ، والحمد لله، هناك محاميات، و محامون ،عقلاء، وما اكثرهم ، يستحقون الدخول معهم في نقاش موضوعي مفيد .
وبناء عليه يشرفني ان ابسط وجهة نظري ،كالتالي:
اولا
ان استمرار الاضراب الشامل للمحامين ،منذ ان كان القانون مشروعا، و بعد المصادقة البرلمانية عليه، و صدور الظهير الملكي القاضي بالامر بالتنفيد، وبعد ذلك ،نشره بالجريدة الرسمية،وفي زمن ميت ، وهو زمن الانتخابات البرلمانية ، والتي لاينتظر خلالها ان يسفر استمرار الاضراب عن اي نتيجة، كيفما كان نوعها، يبقى اضرابا لامعنى له، وغير مقبول مطلقا.
ذلك ان المنطق السليم ،يقتضي ايقاف الاضراب ،على الاقل، في هذه المرحلة، الى حين تشكيل الحكومة المقبلة، وفتح حوار جديد معها، ، وبعد ذلك لكل حادث حديث، اما الاستمرار في الاضراب في سياق هذه المعطيات، فهو استمرار في الحفر ، وتعميق الحفرة بدون فائدة.
ثانيا
ان القانون خضع لعدة تعديلات ، جعلت منه قانونا اخر، غير المشروع الذي تقدمت به وزارة العدل، ابتداء، ولذلك لم نعد ندري ماذا يقبل المحامون وماذا يرفضون.
ما اراه واسمعه، اجد ان اكثره لاعلاقة له بالنص المصادق عليه، واجد في كثير من الاحيان الاعتراض بمبادىء وعبارات فضفاضة ،لاصلة للنص بها ،ولاصلة لها بالنص.
نعم، ان في النص اختلالات عديدة تتطلب التعديل والاصلاح، لكن الاحتجاج عليها باضراب مفتوح، لارى انه مقبول و لا معقول، خاصة في السياق المشار اليه.
ذلك ان الاختلالات المسجلة على القانون كما تمت المصادقة عليه ، ليست من السوء الى درجة الاستمرار في اضراب شامل، وان كانت تستحق الاستمرار في النضال بالاساليب الملائمة ، بما دون الاضراب.
ويبقى من الواجب على الهيات المهنية، بيان المواد التي مازالت محل الاعتراض ، والتي تتطلب المراجعة، لاني لم اطلع على اي وثيقة متفق عليها، صادرة عن الجهة الداعية الى الاضراب، بعد المصادقة على القانون، وما وقفت الا على اراء شخصية لمحامين ، اوسب ،وشتم ،واستهزاء ، وسخرية، لا تليق بمهنة النبلاء.
ثالثا
ان منطق التدافع يفضي الى الحسم لفائدة الجهة التي تستند الى ثقل المجتمع ومؤسساته، بحكم معقولية المطالب المقدمةوصدقيتها، ونجاعة التواصل واهميته، واي معركة مطلبية خاضتها فئة مجردة عن الدعم المجتمعي، الى درجة الاضراب الشامل، فانها ستعود منها بخفي حنين ، لانها لم تستطع قراءة موازين القوى جيدا، ومراعاتها،وهذا ما وقع ، ويقع حاليا ، حيث يخوض المحامون مواجهة غير متكافئة مع الحكومة ، مع العلم، انه وبمقتضى المعطيات الموضوعية، فان النتيحة محسومة مسبقا.
رابعا
انه ان كان من حق المحامين الدفاع عما يرونه سلبا لحقوق، او اخلالا باوضاع، فان الاضراب ليس هو الاسلوب المناسب لمهنتهم، ذلك ان الاضراب يكون في مواجهة اصحاب القرار قصد الضغط عليهم، بالنيل من مصالحهم، وبالتالي ،الزامهم بمراعاة مايجب، اما بالنسبة لاضراب المحامين ،فانه يؤدي فقط الى الاضرار بحقوق الموكلين ، وبمصالح المحامين ، لا اكثر.اما الوزارة ، ومعها الحكومة، فلن تعبأ ابدا باضراب المحامين، وهو ماوقع بالفعل، للاسف،واسأل به خبيرا .
كما انه من جهة اخرى، فان القانون كان دائما سلاح المحامين ، دأبوا على المطالبة بتطبيقه في مذكراتهم، ومرافعاتهم، حيث يستندون في عرائض النقض الى اسباب منها ، خرق القانون ، وانعدام التعليل، وغيرها من الاسباب، فهل احترم المحامون القوانين الجاري بها العمل، وخاصة المادة التي تمنع اتفاق المحامين على الامتناع بشكل كلي ،عن القيام بواجبهم ازاء القضاء؟ وهي مادة كانت مقررة في القانون القديم ،وتم الاحتفاظ بها في القانون الجديد( المادة50).
وهل احترم المحامون القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم الاضراب، الذي ينص في المادة 21 ،على اعتبار مرفق العدالة مرفقا حيويا ، ويوجب علىالمضربين فيه , توفير الحد الادنى من الخدمة؟
وهو ما كان يستوجب الاستمرار في المؤازرة للمعتقلين ، وايضا،استثناء القضايا الاستعجالية من قرار الاضراب.
باي حق يضرب المحامون عن مؤازرة المعتقلين في القضايا الزجرية والجنائية، مع العلم ان المحامين ،كانوا، وينبغي ان يظلوا ،على الدوام ،مساندين للحرية، منافحين عنها، مهما كانت الظروف والاحوال، وحتى لو تعلق الامر باضراب ضد قانون مجحف سيئ؟.
ان اخوف ما يخيفني، هو ان تضطر جميع المحاكم الى اعتماد اجتهاذ قضائي معروف، يقضي بامكان مناقشة القضايا الجنائية، في حالة الاضراب، والبث فيها ،دون محامين ، ويكتشف الناس،او على الاقل ، بعضهم، ان بامكانهم الاستغناء عن المحامين، خاصة اذا جنحت الاحكام نحو تخفيف العقوبة، وبعدها، ستعرف المهنة لاقدر الله، وضعا غير قابل للترميم والاصلاح.
خامسا
انه من المؤسف، ان تر الكثير من المحامين يزايدون على بعضهم البعض ،في موضوع الاضراب، ويملاون وسائل التواصل الاجتماعي بالضجيج انتصارا للاضراب، ولكنهم يحرصون على دس مذكراتهم في الملفات، فهم مضربون في وسائل التواصل الاجتماعي، مشتغلون في الواقع .وقد وصل الامر في احدى الهيأت ،حد الاذن لمحامين بمؤازرة محام معتقل، على خلاف باقي المتهمين.
والحقيقة ان الجهات الرسمية المعنيةبالاضراب ،تتابع عن كتب هذه السلوكيات، وتصلها تفاصيلها، وبين ايديها كافة الاحصائيات والمعطيات، فماذا ستقول هذه الجهات؟ ، وماذا ينتظر منها؟
اخيرا، اؤكد ان الحكومة اخطأت في تدبيرها للملف، وزاد الطين بلة، التصريحات المسيئة للمحامين ،من قبل الوزير ، والتي لامبرر لها.
واؤكد ان من حق المحامين الاحتجاج على مايقدرون انه يمس حقا من الحقوق، بالبلاغات والوقفات ، وغيرها، واذا كان لابد من اضراب، فان قضايا المعتقلين قضايا ذات حساسية خاصة، لا تخفى على المحامين ، الذين هم احرص الناس على الاهتمام بها، وعدم التفريط بها، مهما كانت الدواعي والمبررات.
واؤكد انه ان كان هناك من مبرر لاضراب المحامين ،الذي لا اوافق عليه مطلقا، وهذا رايي، الذي يلزمني وحدي،فاني لا ارى اي جدوى من الاستمرار فيه، بعد نشر القانون ، في الجريدة الرسمية، في هذا الزمن الانتخابي، الذي هو زمن ميت تشريعيا.
والصواب، هو الاعلان عن ايقاف الاضراب الى غاية تشكيل حكومة مابعد الانتخابات المقبلة، والدخول معها في المفاوضات الواجبة ، وبعد ذلك لكل حادث حديث.
واؤكد ان احترام المؤسسات المهنية رهين ياحترامها للقوانين، ذلك ان القوانين تعلو على القرارات، وهذه تراتبية مقررة دستوريا وملزمة للدولة ، ولكافة المؤسسات ،والهيئات ومادامت الهيات الداعية للاضراب خالفت القوانين المنظمة، فان قراراتها تبقى هي والعدم سواء.
المصدر:
كود