آخر الأخبار

بعد نصف قرن من الاغتراب .. علي الأحمد يعود إلى سوريا بقلب مغربي

شارك

بعد نحو خمسة عقود من الاغتراب القسري، عاد السوري علي الأحمد إلى أرض بلاده الشام، في رحلة تختزل سيرة رجل غادر وطنه شابا، قبل أن تمتد به سنوات الغياب إلى عقود كاملة، عاش خلالها في منفاه الاختياري المغرب الذي احتضنه وفتح له أبوابه، فعمل فيه وبنى أسرته ونسج علاقات إنسانية تحولت مع مرور الزمن إلى ما هو أبعد من صداقات الغربة.

مصدر الصورة

عاد الأحمد الشاعر والأديب إلى سوريا بعدما طال الانتظار، وبعدما تغيرت أشياء كثيرة في وطنه الأم. عاد إلى أرض ظل يحملها في ذاكرته، وإلى أهل وأصدقاء غاب كثير منهم خلال سنوات لم يكن فيها قادرا على مشاركتهم أفراحهم أو أحزانهم، ولا حتى وداع من رحلوا منهم. وفي لحظة العودة، لم يكن يستعيد وطنا غاب عنه فحسب، وإنما يستعيد أيضا جزءا من عمره ظل معلقا هناك طوال سنوات الاغتراب.

ويكتسب مسار الأحمد خصوصيته من كونه واحدا من أقدم معارضي النظام السوري السابق؛ إذ دفعته الظروف السياسية في سبعينيات القرن الماضي إلى مغادرة بلاده، قبل أن يصل إلى المغرب في السادس من شتنبر 1977، للعمل أستاذا للغة العربية. ومن مدينة القنيطرة بدأت قصة أخرى امتدت سنوات طويلة، تحول خلالها بلد الإقامة إلى وطن ثان، وأصبح المغرب جزءا أصيلا من ذاكرة الرجل وأسرته.

واليوم، وبينما تطأ قدماه أرض سوريا من جديد، يجد الأحمد نفسه أمام وطن ظل حاضرا في وجدانه رغم كل ما فعلته السنون. يقول في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية إن عودته جاءت بعد “خمسة عقود من الاغتراب التي تحكمت بمصير الشعب السوري”، مؤكدا أن تلك المرحلة اتسمت بـ “استباحة للأمراض وخنق للحريات وحكم بالحديد والنار”.

ويضيف الأحمد أن العودة إلى سوريا لم تكن أمرا يمكن أن يتحقق في ظل الظروف التي عاشها السوريون، قائلا: “لولا حجم التضحيات وتحرير البلاد لما حلمنا بالعودة إلى أرضنا سوريا إلى الأبد”، في إشارة إلى ما يجسده التحول الذي جعل حلم العودة ممكنا بعد عقود من الغياب.

مصدر الصورة

عودة تحمل ذاكرة الغربة

لم يكن الاغتراب بالنسبة إلى علي الأحمد مجرد انتقال من بلد إلى آخر، بل تجربة امتدت من الشباب إلى الشيخوخة، رافقته خلالها تفاصيل كثيرة كان يفترض أن يعيشها في وطنه. وبينما مضت حياته في المغرب، بقيت سوريا حاضرة في ذاكرته، وظل الحنين إليها مرتبطا في الوقت نفسه بمرارة فقدان أشخاص لم يتمكن من توديعهم.

وفي حديثه لهسبريس، استعاد الأحمد جانبا من تلك المأساة، متحدثا عن أفراد من أسرته رحلوا خلال سنوات غيابه من دون أن يتمكن من الوقوف إلى جانبهم في لحظات الوداع. وهي واحدة من أكثر صور الاغتراب قسوة، حين يتحول البعد عن الوطن إلى بعد عن الأهل أيضا، ويصبح الإنسان شاهدا من بعيد على رحيل من يحب.

لذلك، فإن العودة الحالية تختزل الوصول إلى الأرض السورية، كما تستعيد معها سنوات طويلة من الانتظار والحنين والذاكرة. فالذين غادرهم الأحمد لم يعودوا جميعا هناك، والأماكن التي يحمل صورتها في ذاكرته تغيرت، فيما ظل هو يحمل معه تفاصيل مرحلة كاملة من حياته عاشها بعيدا عن وطنه الأول.

مصدر الصورة

المغرب.. من بلد إقامة إلى وطن ثان

وفي مقابل وطن ظل بعيدا، وجد الأحمد في المغرب المكان الذي استطاع فيه أن يعيد بناء حياته. فحين وصل إلى القنيطرة أستاذا للغة العربية، لم يكن يعرف أن السنوات التي سيقضيها هناك ستتحول إلى عقود، وأن البلد الذي دخله مغتربا سيصبح جزءا من قصته الشخصية والعائلية.

عن هذه التجربة، يقول الأحمد: “لقد مثل المغرب لي ولكل المغتربين فيه المكان اللائق والمنزل الآمن والحضن الدافئ، سكنا روحيا وعملا شريفا وصحبة كريمة تحولت مع الزمن إلى أخوة أعتز ويعتز بها جميع السوريين في مغرب الأحرار الشرفاء”.

وتكشف هذه الكلمات جانبا آخر من قصة العودة؛ فالأحمد لا يغادر المغرب كمحطة انتهت مهمتها، وإنما يحمل معه امتنانا لبلد عاش فيه القسم الأكبر من حياته، ولأناس وجد بينهم ما خفف عنه قسوة الغربة، ومنحه فرصة العمل وتكوين الأسرة وبناء علاقات ظلت قائمة رغم مرور العقود.

تحدث الأحد في شهادته لهسبريس عن السنوات الأولى من إقامته بالمغرب، وعن صعوبة التأقلم التي يعيشها عادة الوافد الجديد، قبل أن تتبدد تلك الصعوبات بفعل ما وصفه بكرم المغاربة وطيب معشرهم، لتنشأ علاقات تجاوزت حدود العمل والإقامة نحو الصداقة والأخوة.

مصدر الصورة

الأب يعود.. والابن يستعيد الحكاية

لا تنفصل عودة علي الأحمد عن ذاكرة أبنائه الذين نشؤوا في المغرب، وعاشوا تفاصيل تلك الحياة التي اختارها والدهم أو فرضتها عليه ظروف الاغتراب. فبالنسبة إليهم، كان المغرب المكان الذي تشكلت فيه الأسرة نفسها، وبُنيت فيه الأحلام الأولى، واستقرت فيه تفاصيل حياة امتدت لعقود.

ويصف عبد الله الأحمد، نجل علي الأحمد، لهسبريس اللحظة قائلا: “نحن نرى الأب الذي غُيّب عقودا عن أرضه وأهله يسترد أنفاسه الأولى، وكأن روحا جديدة دبّت في جسده بعد طول اغتراب”.

غير أن فرحة العودة، كما يقول عبد الله، الذي يشتغل صحافيا بقناة “ميدي 1 تي في”، لا تلغي حضور المغرب في هذه اللحظة، بل تستدعيه بقوة. ويضيف: “هذه الفرحة تعود بنا بالوفاء إلى أرض لم تشعرنا يوما بأننا غرباء؛ فقد كان المغرب العظيم سندنا ومأوانا، والوطن الذي فتح لنا ذراعيه بكرامته ودفء شعبه، وعلى أرضه بنينا أحلامنا واستعدنا كرامتنا”.

وبالنسبة إلى نجل الأحمد، فإن علاقة الأسرة بالمغرب شكلت تجربة إنسانية كاملة تركت أثرا عميقا في وجدان أفرادها. لذلك، يؤكد أن “جميل المملكة المغربية سيظل حيا في قلوبنا”، مشيرا إلى أن والده، منذ وصوله إلى سوريا، لا يفوّت فرصة للحديث عن المغرب وشعبه.

ويسجل عبد الله أن والده “في كل لقاءاته وجلساته اليوم على تراب سوريا لا يدع فرصة إلا ويجعل منها منبرا للحديث عن فضل المغرب، وشعبه الأصيل، ومكانته التي ستظل محفورة في وجداننا إلى الأبد”.

مصدر الصورة

وطنان في سيرة واحدة

هكذا تبدو عودة علي الأحمد مختلفة عن عودة مغترب أنهكته سنوات البعد؛ إنها عودة رجل يحمل معه قصة وطنين. سوريا التي ظل قلبه معلقا بها طوال عقود، والمغرب الذي احتضنه حين حالت الظروف دون عودته إلى بلاده.

ففي سوريا يستعيد اليوم جذوره الأولى وذاكرته القديمة، وفي المغرب يترك حياة كاملة عاشها منذ أواخر السبعينيات. وبين الوطنين تتوزع سيرة رجل قضى نحو نصف قرن وهو يحمل سؤال العودة دون أن يفقد في الوقت نفسه الامتنان للمكان الذي منحه الأمان والعمل والرفقة والأسرة.

ولعل أكثر ما تختصره هذه الرحلة أن الغربة لا تمحو الوطن الأول، لكنها لا تلغي أيضا أثر الوطن الذي احتضن المغترب. فحين عاد علي الأحمد إلى سوريا، لم يكن يترك المغرب وراءه؛ كان يحمله في ذاكرته، وفي أسرته، وفي الكلمات التي يكررها عن بلد يقول إنه لم يشعر فيه يوما بأنه غريب.

بعد نحو خمسة عقود، عاد الرجل إلى الأرض التي غادرها شابا. عاد وقد تغيرت البلاد، وتغير هو، وغاب من غاب من الوجوه التي كان يتمنى أن يلتقيها. لكنه عاد أيضا محملا بقصة إنسانية أخرى تشكلت في المغرب، حيث أمضى القسم الأكبر من عمره، ليصبح بذلك شاهدا على أن بعض الأوطان يولد فيها الإنسان، فيما تمنحه أوطان أخرى فرصة أن يعيش ويكبر ويترك فيها جزءا من روحه.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا