مع اقتراب كل انتخابات، يتجدد النقاش حول المنع الصريح الذي أحاط به المشرع المغربي إجراء استطلاعات الرأي ونشر نتائجها قبل موعد الحملة الانتخابية وإلى حين انتهاء يوم التصويت.
يطرح هذا التوجه، المعمول به منذ سنوات، مواقف متقاربة تستحضر نزاهة الانتخابات وصون إرادة الناخبين، في مقابل تجارب أجنبية تبدو أكثر مرونة.
ويمنع القانون رقم 55.25 المتعلق باللوائح الانتخابية العامة وعمليات الاستفتاء واستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال الحملات الانتخابية والاستفتائية، إجراء استطلاعات الرأي التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة باستفتاء أو بانتخابات تشريعية أو انتخابات تتعلق بمجالس الجماعات الترابية أو بالغرف المهنية خلال الفترة الممتدة من اليوم الخامس عشر السابق للتاريخ المحدد لانطلاق حملة الاستفتاء أو الحملة الانتخابية إلى غاية انتهاء عملية التصويت.
ويقصد باستطلاع الرأي، وفق المادة 115 من القانون ذاته، “كل تحقيق أو بحث أو تحر يجرى لدى عينة من السكان، ويراد به الحصول على معلومات ذات طابع إحصائي أو معرفة مختلف الآراء حول العمليات المشار إليها، بجمع أجوبة فردية تعبر عن هذه الآراء، استنادا إلى تجارب تقنية أو علمية أو الاطلاع على وثائق أو استفسارات، كيفما كانت الوسيلة المعتمدة لجمع هذه المعلومات”.
وأضاف المشرع المغربي ىإلى قائمة الوسائل التي يشملها المنع القانوني، شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح وأدوات الذكاء الاصطناعي وأي منصة إلكترونية أو تطبيق يعتمد على الإنترنت أو على الأنظمة المعلوماتية.
بخصوص العقوبات المقررة، يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنة وبغرامة مالية من 10 آلاف إلى 250 ألف درهم كل من خالف منطوق المادة المذكورة. ويُرفع الحد الأقصى للغرامة إلى 500 ألف درهم إذا كان مرتكب المخالفة شخصا معنويا؛ كما يمكن الحكم على مرتكبي المخالفات ذاتها بسقوط الأهلية التجارية لمدة خمس سنوات.
بررت وزارة الداخلية المغربية، في محطات سابقة، حظر إجراء استطلاعات الرأي ذات الصلة بانتخابات أو استفتاء معين بـ”الحفاظ على مصداقية ونزاهة المسلسل الانتخابي، ودرءا لكل ما من شأنه الإسهام في توجيه إرادة واختيارات الناخبين”.
وتختلف طريقة التعامل مع استطلاعات الرأي قبيل الانتخابات التشريعية من بلد إلى آخر؛ ففي فرنسا يمنع القانون نشرها أو بثها خلال اليوم السابق ليوم التصويت، بينما تتبنى بلجيكا مقاربة أكثر مرونة؛ إذ لا تفرض حظرا قانونيا صريحا، مع وجود قيود وتوصيات مهنية بشأن توقيت نشرها وضرورة احترام قواعد الشفافية.
في غضون ذلك، التقت توضيحات أستاذيْن جامعيين مغربيين عند التأكيد على كون منع استطلاعات الرأي قبيل الانتخابات “يندرج ضمن مسعى المشرع إلى حماية إرادة الناخبين من مختلف أشكال التأثير والتوجيه، وضمان تكافؤ الفرص بين مختلف المتنافسين”، دون إغفالهما التأكيد على الحاجة إلى تقنينها مستقبلا.
قال كمال الهشومي، أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة بكلية الحقوق أكدال بالرباط، إنه “لا ينبغي فهم منع نشر استطلاعات الرأي قبيل الانتخابات باعتباره توجها مناهضا للديمقراطية، بل يندرج ضمن الاتجاه العام الرامي إلى تحصين العملية الانتخابية من مختلف أشكال التلاعب والتأثير غير المشروع في إرادة الناخبين، سواء أكان هذا التأثير ماليا، أم إعلاميا، أم معنويا، أم رقميا”.
وأوضح الهشومي، في تصريح لهسبريس، أن “هذا التوجه يجد مرجعيته في الدعوة الملكية إلى الإعداد المبكر والجيد للمنظومة القانونية المؤطرة للانتخابات، بما يضمن وضوح القواعد واستقرارها قبل موعد الاقتراع بمدة كافية”، وأضاف: “لأول مرة، جرى إعداد القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب قبل نحو سنة من الانتخابات، بما ينقل التشريع الانتخابي من منطق التدبير الظرفي إلى منطق الاستباق المؤسسي، ويوفر للأحزاب والمترشحين والناخبين رؤية مسبقة للقواعد المنظمة للتنافس”.
من هذا المنطلق، أبرز الهشومي أن “المشرع اعتبر استطلاعات الرأي، في ظل غياب تقاليد مهنية راسخة وضوابط دقيقة للشفافية والمنهجية والتمويل، أداة محتملة لتوجيه الاختيار الانتخابي، من خلال صناعة صورة فائز مسبق، أو إحباط الناخبين، أو الدفع نحو تصويت نفعي، وليس مجرد وسيلة محايدة لقياس الرأي العام”.
وزاد: “لذلك، يبدو أن هذا المنع يرتبط بفلسفة تشريعية أوسع تعتبر نزاهة الانتخابات وحدة متكاملة، لا تتحقق فقط بمحاربة شراء الأصوات واستعمال المال، وإنما أيضا بمنع التأثير المعنوي والإعلامي غير المشروع”، قبل أن يضيف: “ومع ذلك، ينبغي أن يظل هذا المنع متناسبا ومحدودا زمنيا، في أفق بناء إطار مهني وقانوني مستقل يسمح مستقبلا باستطلاعات علمية شفافة ومسؤولة”.
أكد عباس الوردي، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن “البنية الانتخابية تعبر عن مبدأ التنافس ومبدأ الاختيار الواعي والحر من لدن الناخب تجاه الأحزاب السياسية التي يريد من خلالها أن يجد تمثيلية له عبر بوابة تدبير قضايا الشأن العام، وعبر الأحزاب السياسية انطلاقا من الفصل السابع من الدستور، وعبر كذلك القوانين الانتخابية التي بطبيعة الحال تؤطر العمل الانتخابي والعمل السياسي وعمل الفاعل العمومي، وكذلك تدبير البنية الانتخابية عبر بوابة الديمقراطية التمثيلية”.
وقال الوردي في تصريح لهسبريس: “لا أعتقد أن الأمر يتعلق بمنع في حد ذاته، وإنما بتدبير لمرحلة تحكمها بنية قانونية تؤطر مبدأ المنافسة بين الأحزاب السياسية، وتحد في الوقت ذاته من انتشار الإشاعات وترويج الأخبار الكاذبة وإرسال رسائل مبنية على معطيات غير دقيقة، أو ما يعرف بـ”‘فايك نيوز'”.
وزاد شارحا: “يؤكد هذا التوجه وجوب ضمان ولوج جميع الأحزاب السياسية إلى منصة التنافس على أساس المساواة فيما بينها، مع تمكين المواطن، من دون تأثير مباشر ولا غير مباشر، من الاختيار على أساس البرامج الانتخابية المطروحة أمامه”.
وأضاف: “يصب هذا التوجه في مصلحة الناخب؛ إذ يضمن له حرية واعية في اختيار البرنامج الحزبي الذي يعبر عن تطلعاته والتصويت لصالحه، بمعزل عن أي ضغوط أو توجيه، وفي ظل منافسة عادلة تتكافأ فيها الفرص بين جميع الفرقاء السياسيين على قاعدة البرامج وحسب”.
وشدد الأستاذ الجامعي ذاته على أن “التكنولوجيا الحديثة أضحت تستغل من قبل فئات تجردت من الضمير، وتسعى من خلالها إلى إثارة الإشاعات وتوسيع نطاقها ونشر الأخبار المفبركة، بغرض إرباك المسار الديمقراطي وإذكاء النعرات”، مفيدا أيضا بأن “هذه المحاولات تهدف إلى التأثير على إرادة المواطنين، وتسعى إلى ثنيهم عن المشاركة الانتخابية أو توجيه أصواتهم لصالح طرف دون آخر”.
المصدر:
هسبريس