حميد زيد ـ كود//
هذه بلاد جامدة.
هذه بلاد لا صراع فيها بين المصالح.
ولا تناقضات فيها بين الناس.
هذه بلاد خالية تماما من الطبقات.
ومن الفئات.
ومن الشرائح.
هذه بلاد يفوز في انتخاباتها حزب الدولة ويأتي بدله حزب الدولة الآخر.
ودائما.
وإلى ما لا نهاية..
ولا جديد في هذه البلاد.
هذه البلاد لا تنافس فيها.
هذه بلاد لا أثر فيها لحياة سياسية.
وكل شيء فيها معروف سلفا.
هذه بلاد لا تحدث فيه أي مفاجأة.
هذه بلاد غارقة في الإجماع.
هذه بلاد كلها أعيان.
ولا مكان فيها لأي مرشح لا مال له.
هذه البلاد تخاض فيها معركة واحدة حقيقية هي معركة التزكيات.
ويفوز فيها من يمنح أكثر.
ومن ينفق أكثر من غيره.
هذه بلاد لا تظهر فيها قوى جديدة.
ولا رأسمال جديد.
ولا متضررون جدد من الوضع.
ولا مستفيدون جدد.
هذه بلاد كل شيء فيها محكم الإغلاق.
ولا يدخلها هواء جديد.
ولا تدخلها تيارات جديدة.
وما كان هو الذي سيكون.
والتجمع الوطني للأحرار هو الأصالة والمعاصرة.
هذه بلاد الكل فيها متفق.
وراض.
والكل فيها يصوت للأعيان.
ولأحزاب الدولة.
هذه بلاد تنافس فيها السلطة السلطة.
وينافس فيها الأعيان الأعيان.
هذه البلاد الشعب فيها حذر ولا يثق في المناضل.
ولا في المستقل.
ولا في المتعلم.
ولا في الحر.
ولا يغامر بصوته ولا يمنحه إلا للأحزاب غير المستقلة والتابعة للدولة.
هذه البلاد السياسة فيها ذكرى من الماضي.
والتنافس.
والمعارضة.
والديمقراطية.
كلمات لم تعد صالحة للتداول في هذه البلاد.
هذه البلاد الخوف. كل الخوف فيها.
أن يتسرب حزب.
يتمتع بقليل من الاستقلالية.
ويزاحم أحزاب الدولة المضمونة.
ويضيق عليها.
وينغص علينا راحتنا السياسية.
ويُسخر لكي لا يقع ذلك الإعلام.
وتسخر مجهودات كبيرة.
هذه البلاد تعاني من تعب سياسي.
هذه البلاد خالية من أي إغراء حزبي للمواطن.
هذه البلاد لا يوجد أي خلاف بين كل فرقائها.
والكل يتنافس فيها ليكون حزب الدولة.
هذه بلاد ترحال سياسي.
ولا أرض فيها للمرشح ليثبت فيها.
ولا بيتا ليسكن فيه.
ولا قناعة.
ولا انتماء.
ولا فكرة.
ولا إيديولوجية.
هذه البلاد استمرأت هذا الجمود. وهذا الموت. وهذا الفراغ.
وجعلتْ منه عقيدة.
وصنعتْ منه نخبة تدافع عن هذه العقيدة.
وفي هذه البلاد أحزاب كثيرة.
لكن يمكنك أن تمر عليها كلها.
وتترشح فيها كلها.
ولن يعترض عليك أحد.
وفي هذه البلاد انتخابات.
وبرامج في التلفزيون.
وتسريبات.
ونقاشات.
وأصوات ضاجة.
وجدل.
وسياسيون بالجملة.
لكن لا فرق بيننا أبدا.
وكأننا جميعا نفس الشخص.
وكلنا نتنافس على أن نكون للدولة.
هذه البلاد
لو أصخت السمع إليها جيدا لسمعت صخب الجمود الذي يسود فيها.
هذه البلاد تغلي من الداخل
وتعتمل فيها مصالح متناقضة وإيديولوجيات
لكن لا شيء يطفو فيها على السطح.
هذه البلاد تتقدم في كل المجالات
لكن ديمقراطيتها تتراجع.
هذه البلاد لا تشبه
صراحة
أي بلاد أخرى.
هذه البلاد عجيبة
وتنبعث منها كل هذه الحياة
وينبعث منها في الآن نفسه كل هذا الموت
وكأن السياسة توقفت فيها
وكأن الانتخابات تجري فيها
لمجرد أن تجري
بينما لا جديد تحت الشمس في هذه البلاد
ونفس الأعيان
ونفس الوجوه
تتنقل بين الأحزاب الكثيرة
التي لو دققنا النظر فيها
لاكتشفنا أنها نفس الحزب
لكنه يحمل
أسماء وعناوين مختلفة.
المصدر:
كود